د. أكرم حجازي / كاتب وأستاذ جامعي متخصص
بعد حملات إعلامية تمهيدية شنها العديد من الكتاب الموالين للسعودية، نجح الموقف السعودي مؤخرا في تحقيق أول اختراق من نوعه في الموقف العربي من الصراع مع إسرائيل منذ قيامها وحتى الآن. فلم يسبق أبدا أن تجرأ نظام عربي على نقد تيار مقاومة مسلحة للكيان الصهيوني إلى الدرجة التي يحمله فيها وحده مسؤولية ما يجري من حرب عدوانية مفتوحة على لبنان. ولا شك أن قيمة الاختراق السعودي تقع في مستويين:
مستوى الدولة: إذ أنه مهد الطريق لدول أخرى كي تجاهر في التعبير عن ذات الموقف المندد ولو بصيغة أقل كما هو حال الموقفين المصري والأردني، زيادة على مواقف مماثلة بعضها علني كالكويت وبعضها الآخر لازال متحرجا من المجاهرة به.
مستوى المجتمعات: إذ من الممكن ملاحظة شريحة اجتماعية قليلة أو كثيرة تتبنى الموقف السعودي.
هكذا سنكون في إطار أمة منقسمة سياسيا واجتماعيا على قضايا مصيرية في حالة تشبه إلى حد كبير الانقسام الذي عاشته الأمة العربية إبان الغزو العراقي للكويت سنة 1991. بيد أن خطورة الانقسام الحالي كامنة في كونه يمس المقاومة للمرة الأولى وليس النظام السياسي. فما هي حيثيات الموقفين؟
بالنسبة للموقف السعودي فهو بات يرى أنه يجب التمييز بين المقاومة الشرعية والمغامرات غير المحسوبة كما جاء في التصريح الرسمي، غير أن محتوى التمييز لم يكن واضحا ولا معروفا، فمن الصعب الحديث عن مقاومة شرعية وهو مصطلح جديد كل الجدة غير محدد المعالم سواء من حيث مفهوم المقاومة أو مفهوم الشرعية، فمتى يمكن اعتبار عمل مقاوم مثلا يحظى بمشروعية؟ ومتى يمكن اعتباره مجرد مغامرة غير محسوبة؟ ثم من هي الجهة المخولة بتحديد شرعية عمل مقاوم من عدم شرعيته؟ ثم إلى أي حد يسمح العمل المقاوم باستئذان (من) أو تنسيق (مع) أحد؟ وفي الحقيقة يمكن طرح عشرات التساؤلات التي يتوجب الإجابة عليها إذا ما أريد ضبط الأمور بطريقة موضوعية لا تنتهي كما يحصل بانقسام وتراجع عن تحمل المسؤولية وكأن المسألة باتت شخصية ليجري الحديث مثلا عن"إن المملكة ترى أن الوقت قد حان لان تتحمل هذه العناصر وحدها المسؤولية الكاملة عن هذه التصرفات غير المسؤولة وأن يقع عليها وحدها عبء إنهاء الأزمة التي أوجدتها".
أما الموقف المغاير فيرى أن الموقف العربي المتماهي في بعضه مع الموقف السعودي فيعبر عن عميق استهجانه واستغرابه لجهة أن المشكلة لم تكن بالمقاومة التي هي رد فعل بل بالاحتلال الذي يصنع الحدث ويفاقم من المشكلة. ففي كل المستويات العربية الرسمية والشعبية ومن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار يعلمون جيدا أن مصيبة المصائب تكمن في إسرائيل وليس في المقاومة، والاستهجان الذي يعبرون عنه يمكن تلخيصه ببضعة نقاط مركزية: