-إن الموقف السعودي فاجأ كل قوى المقاومة في العالم العربي بالقدر الذي فاجأ الشعوب، وهو إن كان جريئا كما يرى البعض فلأنه لم يكن مألوفا أبدا ولأنه يصب في خانة الأطروحة الأمريكية والإسرائيلية بحيث يمثل بشكل مباشر أو غير مباشر تغطية للعدوان الإسرائيلي ويشجع هذه الأخيرة على المضي قدما بضرب كل نواة مقاومة سواء كانت شرعية أو غير شرعية، بل أنه يدفع إسرائيل إلى الاستقواء بالموقف العربي على المقاومة وعلى الشعوب معا مما يجعل الهوة بين الأنظمة وشعوبها تزداد اتساعا وصولا إلى صدام لا مفر منه، وهو طريق بالغ الخطورة قد يعني اندلاع حروب أهلية وإدخال العالم العربي في بوتقة التقسيم الحتمي والتفتت والتشرذم بما يخدم المخططات الأمريكية.
-إن الموقف السعودي ومن ورائه بعض المواقف العربية مستهجن ويبعث على الذهول لاسيما أنه يعبر ليس فقط عن نقده لحزب الله بل عن رفضه لأطروحة المقاومة برمتها، والدليل على ذلك سلسلة الضغوط الهائلة التي تعرض لها الفلسطينيون بعد أسر الجندي الإسرائيلي في عملية الوهم المتبدد، حتى أن الوساطة المصرية التي طالبت بإطلاق سراح الجندي دون قيد أو شرط ثم تراجعت إلى وجود ضمانات بإطلاق بعض الأسرى على دفعات بالغت في تهديداتها إلى درجة فرض عقوبات على قطاع غزة، وبع رفض الوساطة المصرية أعلنت مصر بلسان رئيسها أنها أنهت تدخلها بدعوى وجود ضغوط من أطراف إقليمية تحول دون نجاحها ولا شك أن المقصود بها سوريا وإيران، وأن تفجر الموقف السعودي غيظا إثر عملية الوعد الصادق لحزب الله لم يكن إلا ذريعة للهجوم على نهج المقاومة وليس على حزب الله بعينه.
-إن الغالبية الساحقة من الدول العربية بما فيها سوريا مارست صمتا مطبقا على الجرائم اليومية التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني، وقد بلغ هذا الصمت مداه الفاضح من العجز الكلي عن إدانة أبرز جريمة قتل نفذتها الدبابات الإسرائيلية ضد عائلة الطفلة هدى غالية وهي على شاطئ البحر وبقذيفتين فشلت الأولى ونجحت الثانية بإصابة الطفلة بحالة من الهستيريا، فكيف يتجرأ العرب على إدانة المقاومة فيما يفشلون بإدانة جريمة حرب إنسانية صارخة؟ مسألة تدعو فعلا للدهشة خاصة وأن الجريمة وقعت قبل أسر الجنود الثلاثة في لبنان وفلسطين ناهيك عن سلسلة الاغتيالات والجرائم اليومية التي لم تتوقف قط.
-لقد اعتبر عرب الإدانة أسر الجنود اليهود بغرض فك أسر آلاف المواطنين القابعين في السجون الإسرائيلية منذ عشرات السنين عمليات إرهابية ومغامرات غير محسوبة! بينما لم تستطع أية مبادرة دولية أو وساطة أو عبر عملية سلام أن تنجح في تحرير أسير واحد حتى بدا هؤلاء وكأنهم حبيسي القدر وليس العدو، فتم وضعهم في خانة النسيان التام وعدم اعتبارهم لا أولوية ولا في أية أجندة، ثم أن لهؤلاء أهل وأبناء وعائلات فلماذا تنشط الجهود وتتفجر المواقف العربية لإطلاق سراح الجنود بينما لم يصدر تصريح عربي واحد في يوم ما يذكر فقط بوجود أسرى يستحقون الحياة والعودة إلى أهلهم؟ ولماذا تدان عمليات أسر الجنود وتعتبر إرهابا واعتداء على دولة مستقلة ولا تدان تعنت إسرائيل ومماطلاتها في إطلاق سراحهم رغم توقيع عديد الاتفاقات؟ ولماذا تُمارس الضغوط لإطلاق سراح الجنود اليهود وتطالب المقاومة بالكف عن توتير الأجواء وتوريط الأطراف العربية بحروب هي في غنى عنها؟ وتبدو حرية ثلاثة جنود أثمن من حرية آلاف الأسرى؟