فهرس الكتاب

الصفحة 455 من 634

د. أكرم حجازي / كاتب وأستاذ جامعي

صحف - 30/ 11 / 2007

بدأت آليات المواجهة الطاحنة بين تيارات الجهاد العالمي والخصوم تتضح على نحو جلي وشديد البيان بما يكفي للحسم بأن مؤشرات الصراع بين الجانبين باتت تتجه للتبلور في صيغتها النهائية على الأقل خلال المدى المنظور، على أنه من الأهمية ملاحظة أن الصراع وفق هذه الآليات لا يعني قرب نهاية الصراع أو انتصار طرف على آخر فيه بقدر ما يعني بدايته بأتم معنى الكلمة. ومن المرجح أن يتخذ أشكالا أخرى أشد عنفا خاصة وأن أحد الطرفين لن يسلم بسهولة للطرف الآخر ما لم ينته الأمر بكارثة محققة تصيب أحدهما. فما هي هذه الآليات التي تتخذ الآن صورة ظواهر اجتماعية فريدة في حاضر الأمة؟ وأي مكانة تحتلها في الصراع؟

أولا: مشاريع الصحوات العشائرية

لا شك أن الولايات المتحدة الأمريكية وكافة القوى الصديقة والعدوة ذهلت من سرعة تشكل جماعات الجهاد في العراق وشراستها غير المعهودة في القتال خاصة في بيئة غير مواتية أصلا لحرب العصابات كبيئة العراق، هذا المعطى الذي من المفترض أن يصب تلقائيا في صالح القوات الأمريكية سرعان ما تبددت ميزته وانكشفت نقاط ضعفه بعد أن حولته الجماعات الجهادية إلى أثر بعد عين وهي تخوض حرب عصابات في المدن والشوارع والحارات والأزقة والبيوت المهدمة والوديان مستخدمة أبسط الأسلحة وأخفها من قناصين وألغام وعبوات ناسفة وكمائن وحتى هجمات مباشرة وصاعقة استهدفت آليات العدو ومقراته وطائراته.

إنها مواجهة كانت بحق، وما زالت، طريفة للغاية وغريبة رغم الانقسام الطائفي والسياسي وما نتج عنهما من تبلور فريقين أحدهما حليف لقوى الغزو والآخر معادي لها. بل هي مواجهة سرية وغامضة لا يمكن ملاحظة، أكثر من تمظهراتها وتجلياتها العنيفة جدا، إذ من الصعب فهم آليات عملها وحراكها العسكري والأمني، وبالتالي لما يكون من المتعذر الاطلاع على خفايا القوة فيها فلن يكون سهلا علينا التنبؤ بمدى استمراريتها وشدة بأسها؟

لهذه الأسباب وغيرها فشلت القوات الأمريكية في المساس بها كثيرا رغم التنوع الكبير في وسائل ضربها واستخدام جيوش من العملاء والخصوم ولكن دون جدوى، فما كان منها إلا التوقف عن الغطرسة والارتجالية وعقلية الحروب السياحية واللجوء أخيرا إلى الأبحاث والدراسات الأكاديمية التي خرجت بتوصية تقضي بفك الارتباط بين هذه الجماعات والمجتمع بوصفه الحاضن لها، فجست النبض أولا عبر فك الارتباط بين الجماعات الجهادية ذاتها لتحقق،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت