فهرس الكتاب

الصفحة 456 من 634

بلا ريب، بعض النجاحات إلا أنها فشلت في العموم مواصِلَة البحث والتقصي إلى أن وجدت ضالتها في بعض العشائر والأفخاذ وسقط المتاع من مجرمين وخصوم وأعداء وعاطلين وقطاع طرق ومخمورين وزناة وحاقدين وغيرهم. فمثل هؤلاء المهمشون أو المنبوذون ممن لم تعد لهم أية مرجعية وطنية أو دينية أو أخلاقية تذكر إلا بالقدر الذي تتحقق فيه مصالحهم، معطوفا عليها ما يحصلون عليه من امتيازات مؤقتة أو دائمة، شكلوا في الواقع الأدوات الضاربة الأهم بيد الاحتلال. وهكذا بدأت الصحوات تتشكل تباعا خاصة في المناطق التي تتواجد بها القوات الأمريكية أو على مقربة منها بهدف تأمين حمايتها ومهاجمة القوى الجهادية وطردها من مناطق نفوذها بقطع النظر عن موقف القوى الاجتماعية والدينية. والفريد في المسألة أن مجالس الصحوات من المفترض أن تتشكل في المناطق العشائرية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار السمة المناطقية التي تحملها أصلا ومصادر الموارد البشرية الكائنة في المنطقة إياها، إلا أن الواقع يتحدث عن تشكيل مجالس صحوة في المدن والحارات والأحياء والقرى والشوارع بكثافة لعل المقصود منها إسباغ الشرعية عليها وجعلها مألوفة بين الناس، أما أن الأمريكيين أنفسهم يصرحون بأنهم لا يسمحون بتشكيل مجالس صحوة إلا في المناطق التي يتواجدون فيها أو التي تضطر قواتهم إلى المرور فيها، فهو مما يكفي للدلالة على أن تشكيلها هو قرار أمريكي محض وليس اختيارا اجتماعيا كما يروج رموزها الذين جاهروا علنا بطلب المليارات لقاء مقاتلتهم القاعدة، زيادة على أن التركيبة الذهنية للقبيلة هي التي استغلت في بنائها لتلبية الاحتياجات الأمريكية الأمنية والسياسية مما ينفي أية علاقة، بالإجمال، للتركيبة الاجتماعية والجغرافية للقبائل بتشكيلها بدليل تنصل العشائر الأصيلة منها ونبذها بشهادة الحقائق التالية:

(1) أن الخلفية الاجتماعية والأيدولوجية للمكونات البشرية للصحوات ليست متماثلة؛

(2) كما أنها خارجة عن السياق القيمي والديني للقبيلة كونها جُمعت من الحضيض الاجتماعي لأفراد وجماعات صغيرة وليس من كتل اجتماعية ذات شأن؛

(3) وبالتالي ما من مرجعية لها إلا القوى التي احتضنتها وجمعت شتاتها.

(4) وفي هذا السياق يحسن الإشارة إلى أن مشاريع الصحوات ما كان لها أن تنجح مطلقا لولا وجود قوى سياسية محلية حاضنة لها، بالإضافة إلى القوات الغازية، بحيث تشكل لها غطاء سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا وحتى دينيا فتسبغ الشرعية على تصرفاتها وسلوكها حتى لو تعارضت مع مصالح الأمة ومصالحها هي ذاتها، فالحاصل أنه، وبأيد محلية، تم إغراق هذه الشريحة في المزيد من البؤس وتوريطها في سياسات لن تتعافى منها في المدى المنظور لا هي ولا أحفادها من الأجيال القادمة.

إذن، لا شك أن هؤلاء تحولوا إلى رأس حربة للمحتل الذي جيش الآلاف منهم (72 ألف حسب المصادر الأمريكية من بينهم 18 ألف شيعي) ونجح أيما نجاح في تحقيق ما عجزت عنه كافة الجيوش الغازية والقوى الحليفة لها، فخسرت القوى المجاهدة مناطق استراتيجية وفقدت الكثير من خزينها المقاتل على يد هؤلاء وانخفضت وتيرة المواجهات مع القوات الأمريكية. وكان لهذه النتائج صداها السياسي والعسكري لدى السياسيين والقوات الأمريكية، ولعل أبرز ما في هذا السياق تخصيص الإدارة الأمريكية لمبلغ 23 مليار$ لمواجهة دولة العراق الإسلامية بحسب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت