لا شك أن القرار 1838 هو الأكثر تفصيلا بخصوص أعمال القرصنة، فهو يؤكد على ما ورد في القرار السابق 1816 بخصوص طلب الإذن من الحكومة الصومالية بالسماح للسفن الحربية باجتياز المياه الإقليمية لمكافحة القرصنة، والأهم أنه يدعوا إلى:"نشر سفن حربية وطائرات عسكرية، وفقا للقانون الدولي"كما هو مقرر في اتفاقية البحار، وحين:"يهيب بالدول التي تعمل سفنها الحربية وطائراتها العسكرية في أعالي البحار وفي المجال الجوي قبالة سواحل الصومال أن تستخدم ... جميع الوسائل اللازمة"؛ فهو يقرر ذلك فقط:"من أجل قمع أعمال القرصنة"!
الحق يقال أنها قرارات منصفة وذات طابع قانوني فعلا، فرغم صدورها على قاعدة البند السابع إلا أنها ليست عدوانية ولا حتى هجومية بلا ضوابط. ولسنا بهذا الصدد معنيين بضرب القراصنة أو لا، لكننا معنيين بالتساؤل عن مفارقات عجيبة في التعامل مع قضية تهدد الملاحة الدولية ولا تستطيع القوى البحرية التعامل معها بينما تستطيع ذات القوى مهاجمة دول واحتلالها دون صدور نص واحد عن أية هيئة دولية، بل وممارسة القتل على أوسع نطاق. إننا نعجب حقا كيف لا تصدر مثل هذه القرارات مثلا في حق فلسطين وأفغانستان والعراق وغيرهما من مناطق الظلم والقهر الدوليين!؟ وأيهما أولى بالرأفة والإنصاف والقرارات الناعمة؟ القراصنة الذين ينتزعون حقوقهم بأيديهم؟ أم المحاصرون الذين يموتون جوعا ويقتلون ويطاردون في كل وقت ومكان وعلى مدار الزمن؟
أيا كانت صفة القراصنة في القوانين الدولية أو المحلية فإن عمليات الخطف والسطو المسلح والمطالبة بفدية نشاطات تنطوي على تهديد للحياة، وهي بموجب قوانين القرن التاسع عشر خروج عن القانون، ومع ذلك فإن أية هيئة دولية قانونية لم تجرِّم القراصنة، فبأية معايير يجري تجريم اللصوص على المصارف والبنوك في دول العالم؟ وبأية معايير يجري تجريم قراصنة الجو؟ وماذا لو اختطف أحد ما طائرة ركاب مدنية وطالب بفدية؛ فهل سيدفعون له كما يدفعون للقراصنة؟ وبأية معايير تشن الولايات المتحدة وحلفائها الحروب على الدول واحتلالها وتقتيل سكانها؟ وبأية معايير يحاصَر سكان غزة ويُمنعوا من أسباب البقاء؟ وبأية معايير تحتجز الولايات المتحدة سجناء غوانتانامو ووضعهم في أقفاص حديدية وسجون ظلام صاخبة حتى أنها أخرجتهم من كونهم كائنات حية؟ وما هي المعايير التي تجيز عمليات الخطف الأمني؟ وما هي المعايير التي تجرم شخص لمجرد آرائه وتجبره على الرحيل أو تحاكمه بموجب قوانين محاكم التفتيش الإسبانية؟ أين حقوق القراصنة من حقوق د. هاني السباعي وعائلته المنكوبة المهددة بالترحيل كنموذج للظلم الدولي الذي يقيس بألف معيار ومعيار؟
الحقيقة أن التوزيع التاريخي للمشاع غالبا ما كان ينطوي على خبث وتلاعب من القائمين على عملية التوزيع التي يقع ضحيتها في الغالب فقراء الفلاحين، وما يجري حاليا، حتى على المستوى القانوني، يشبه بالضبط ما يجري في نظام المشاع القروي. ومن الواضح أنه ثمة تمييع قانوني كبير له عشرات الأسباب.
ففي أعقاب اختطاف ناقلة النفط السعودية أجرت صحيفة الشرق الوسط (21/ 11/2008) مقابلة هاتفية مع أحد القراصنة سمى نفسه جامع آدم قال فيها أن:"لنا دول تعطينا معلومات عن السفن في البحر، وإذا في سفن تجارية أو مبحرة في طريقنا"، وأن الدول المعنية هي:"اليمن وإريتريا وكينيا وجنوب أفريقيا". مشيرا إلى أن للقراصنة شركاء لا دخل لهم بالأموال:"يزودوننا بالمعلومات فقط"، وهم موزعين على أكثر من بلد"عربي"