فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 634

القاعدة أو يتعاطف معها ويدعو لها بالنصر وينتشي بأفعالها ضد الأمريكيين وبين من ينتسب إليها عضويا، ويتحمل قانونيا وشرعيا مسؤولية العضوية. وثمة فرق أكبر بين من يحمل هَمّ القاعدة ومن يحمل هَمّ الأمة. وهذا رصيد نحسب أن العولقي أدركه فلم يفرط به حتى اللحظة. وهذا ما يزعج الخصوم والأعداء وليس كون العولقي عضوا في القاعدة أو لا.

ولأنه داعية نجده يوجه خطابه إلى الناس عامة وليس إلى الخاصة، ويستعمل المفردات والمصطلحات الشرعية الجاذبة وليس شقيقتها «المنفرة» . ففي شريطه الأخير الآنف الذكر قدم العولقي عرضا قصيرا عن حال الأمة، لكنه، كعادته، بالغ الحجة والبيان. لكن، وعلى قاعدة لكل مقام مقال، لم يستعمل فيه قط مفردات من نوع «كافر» أو «مرتد» . ففي كل المحاور التي تعرض لها استعمل لغة الدعوة وابتعد كلية عن لغة التيار الجهادي العالمي التي تتقدم فيها لغة الحكم الشرعي على لغة الدعوة. وكنموذج على البراعة في المزج ما بين السياسي والشرعي، وكغيره من كثير من الناس، لم يترك صفة سياسية قبيحة إلا وألصقها بالحكام والمسؤولين، لكنه بيَّن عدم مشروعيتهم السياسية مستعملا، بدهاء، عبارة «ولاة الأمر» ، وفي نفس الوقت طالب علماء الأمة بـ: «تبيين التوصيف الشرعي الصحيح لحكّام العالم الإسلامي» .

هذه لغة داعية لم يتجاوز فيها حتى العلماء، رغم أنه دعاهم إلى الجلوس في البيوت إذا كانوا عاجزين عن قول الحقيقة والقيام بواجب الأمانة الملقاة عليهم: «لتبيننه للناس ولا تكتمونه» . ولو كان العولقي عضوا في القاعدة لما خشي الإعلان عن ذلك خاصة بعد الإعلان عن استهدافه أمريكيا. ولو كان التحريض على قتل الأمريكيين تهمة لَعنَى ذلك أن أمة الإسلام صديقة للأمريكيين ولكل قوة عدوانية أو غازية. والثابت أن مواقف العولقي الفردية من الأمريكيين لا تختلف عن مواقف الكثير من رموز الأمة أو قياداتها التي تطالب بمقاومة الأمريكيين واليهود وكل من يعتدي على حياضها أو يسلب ثرواتها، بما في ذلك القوى الوطنية والقومية وحتى ما تبقى من القوى اليسارية. ولو وسعنا الدائرة أكثر لكان على الأمريكيين أن يحددوا ما إذا كان هؤلاء والمصلون في المساجد يستحقون القتل خاصة أنهم لا يتوقفون عن تمني هزيمة الأمريكيين وأمريكا والطلب من الله عز وجل لـ «تدميرها» أو «زلزلة الأرض من تحتها» .

مرة أخرى! منطق الأمريكيين في استهداف العولقي يكمن في خطابه الموجه للأمة بوصفه داعية مؤثر لا بوصفه عضوا في تنظيم القاعدة. هذه التهمة ليست سوى محاولة لحشره في زاوية «التطرف» و «الخطر» و «التحريض على القتل والكراهية» ، حتى يكون لمطاردته أو اعتقاله أو حصاره أو التنكيل به أو قتله مشروعية اجتماعية وسياسية وقانونية وحتى شرعية لدى من يروقهم التخلص من العولقي من بني جلدتنا. لكن هذه التهمة أيضا من الصعب تمريرها إلا إذا نجحت الولايات المتحدة بتجريده من صفة «الداعية» التي يتمتع بها منذ عمله في الدعوة ليس إلا. أما منطق العولقي في الإصرار على صفته هذه فهو ذات المنطق الذي يتمتع به المئات من المشايخ والدعاة الذين عليهم أن يدفعوا ثمنا باهظا إذا ما أفضوا بسرائرهم أو ما اعتقدوا أنه الحق. وأهمية منطق العولقي يكمن في قدرة الناس على تحمل الموقف الشرعي من داعية دون خشية من العواقب أكثر من قدرتهم على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت