فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 634

إذا وسعنا الدائرة أكثر فالقوات الأمريكية نزلت في الجزائر وموريتانيا وركزت قواعد ضخمة لها في العديد من الدول العربية سرا أو علانية، وما زالت تحتل أو تهاجم في أفغانستان والصومال والعراق، أما سياسيا فالأمريكيون فرضوا الاتفاقيات الأمنية بعيدة المدى على السعودية ودول الخليج وهم في الطريق إلى فرضها على العراق وليس اليمن أو سوريا أو مصر أو ... عن الأهداف الأمريكية ببعيدة. وقبل أن نبدي أي قدر من الريبة في حقيقة هذا الانتشار العسكري الساحق وأهدافه، لنتساءل عن ماهية نظامي الحماية والوصاية؟

فيما يتعلق بنظام الحماية فليس المقصود أبدا ذاك الذي طبقته الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بعد الحرب الثانية، على بعض الدول الأوروبية (ألمانيا وإيطاليا) والآسيوية (كوريا الجنوبية واليابان) لأهداف سياسية وأيديولوجية. بل هو النظام الذي فرضته فرنسا وبريطانيا على بلدان عربية كمصر وتونس سنة 1882 أو غير عربية كالهند دون مبرر إلا من الرغبة في السيطرة والاستعمار، وبلا تحديد لأي سقف زمني أو شروط تتيح تعديل المعاهدة للدولة المحمية. وجلي أنه نظام لا يحظى أبدا بأية مشروعية سياسية أو قانونية تذكر ولا يتصل بأية أغراض دفاعية وليس له أية علاقة بمصالح مباشرة بدولة الحماية. وميزة النظام هذا أنه يجري إقامته بين دولتين قائمتين أو ما يشبه الأقاليم المستقلة، وقد يسمح حتى ببقاء الأحزاب والجمعيات والمؤسسات كما هي، لكن السياسة العليا والاستراتيجية والدفاع والأمن والاقتصاد ليست بيد الدولة المحمية، والأسوأ أن في ثنايا النظام بذرة فرنسية خبيثة ترى في الدولة المحمية جزء من التراب الوطني للدولة الحامية، وهو ما فعلته فرنسا وطبقته على نطاق واسع في الجزائر لما كانت تحتلها منذ سنة 1832 وتعتبرها"فرنسا ما وراء البحار".

هذا النظام كان مقدمة تمهيدية لنظام استعماري وتسلطي مباشر هو نظام الانتداب الذي صاغته فرنسا وبريطانيا وأقرته عصبة الأمم المتحدة، بدعوى أن الشعوب المتخلفة"أمانة في عنق الحضارة المدنية"! التي تتحمل مسؤولية نقلها إلى طور التقدم والتنمية. وبناء عليه تقوم القوة المنتدبة على أي بلد بتأسيس حكومة انتداب لها مطلق الصلاحية أن تفعل في البلاد ما تشاء.

وفي التطبيقات التاريخية تبين أن النظام الإنجلو ساكسوني لم يمس ثقافة السكان كثيرا، لكنه، على الصعيد الاقتصادي، لم يبقي ولم يذر، فما من دولة خضعت لحماية أو استعمار بريطاني على وجه الخصوص إلا وتركتها صحراء قاحلة يتضور سكانها جوعا، وبطبيعة الحال لا يعني هذا أن الاستعمار الفرنسي أقل وطأة لكنه ترك في البلاد بنية تحتية قوية جدا ليس لأنه يحبها ويخشى عليها بل لأنه كان يطبق سياسة فرنسا العابرة للحدود ويعتبر كل إقليم خاضع لسيطرته جزء من التراب الوطني، لهذا نجد أن الاستعمار الفرنسي ركز على المسألة الثقافية، ويكفي ملاحظة أن الكثير من المصريين، إلى يومنا هذا، يتلفظون بعبارات ترحيب فرنسية رغم أن حملة نابوليون على مصر لم تزد كثيرا عن السنوات الثلاث.

المهم أن معاهدات الحماية أو الاستعمار المباشر أسلوبان طُبقا فيما مضى بشكل مباشر على الشعوب والدول الضعيفة، ولا تكاد دولة ضعيفة في العالم إلا وخضعت لأحدهما في مرحلة من الزمن، وفي حين خلف الأسلوبين دمارا ونهبا منقطعي النظير، وفقرا مدقعا لهذه الشعوب، نرى الدول الأوروبية على العكس أصيبت بتخمة الثراء الفاحش على حساب الدول الفقيرة والمستعبدة. وكنا قد أشرنا إلى أن العرب والمسلمين قد نالهم القسط الأعظم من الضرر جراء الحركة الاستعمارية المباشرة التي اجتاحتهم مخلفة وراءها تجزئة وانهيارا للإمبراطورية العثمانية أو مصادرة لنظام الحكم الإسلامي وإهمالا متعمدا للعقيدة والدين وضربا في الصميم للبنية الثقافية وجرها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت