فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 634

مجرما أو حتى مرتدا .. نادوا بالوحدة الوطنية بدلا من الفتنة، وبالمواطنة بدلا من التمييز، وبالعيش المشترك بدلا من الاقتتال، وأفتوا بأن عصمة الدماء أولى من سفكها، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع. ولما كان في قمة السلطة برؤوه من كل نقيصة، وأسبغوا عليه الشرعية الدينية والمشروعية السياسية والقانونية، وأثنوا عليه، وأنكروا ظلمه وإجرامه وطحنه للإسلام والمسلمين، ونهبه لثروات الأمة .. ولما فرّ من البلاد وصفوه بـ «الطاغية» !!! و «سفاك الدماء» !!! سبحان الله! لأول مرة نسمع عن حاكم «طاغية» كان قبيل لحظات «ولي أمر» ثم ثبت فجأة أنه «سفك الدماء» !!!

هكذا ببساطة سقط الطاغية بلا صناديق اقتراع .. وبلا فتن .. وبلا خوف على شماعة الوحدة الوطنية .. وبلا فتاوى منحرفة وفارغة من أي سند شرعي .. سقط الطاغية رغم أنف الجامية والمرجئة .. سقط الطاغية رغم أنف وعاظ السلاطين .. سقط رغم أنف المناهج السلمية والديمقراطية في التغيير .. فقط سقط .. فأي فتوى ظالمة ستعيده؟ وأي انتخابات ديمقراطية ستأتي يه؟ وأي حاشية ستنتصر له؟

تُرى! ما قول أمثال هؤلاء اليوم وقد خرجت أمة بحالها على «ولي الأمر» ؟ ما حكم هؤلاء الناس؟ هل هم «خوارج» و «صناع فتن» ؟ أم أن ما فعلوه موافقا للشرع؟ أم أن فقههم عاجز عن الفتوى؟ ما حكم أولياء الأمور المماثلين لبن علي وهم أوضح من الشمس في رابعة النهار؟ ما هو حكم من يستقبل طاغية وقد رفضه حتى أخلائه من الغرب واليهود؟!!!! ما حكم من يعين طاغية على طغيانه ويشرع له؟

في 11/ 4/2009 كتب الشيخ سلمان العودة مقالا في أعقاب زيارة قام بها لتونس واستقبله خلالها الرئيس بن علي. وفي حينه لاقى المقال عاصفة من الشجب والاستنكار من التوانسة وغيرهم من المسلمين الذين عايشوا مظلمة هذا الشعب وكنت واحدا منهم. وعجبت كل العجب أن يكتب العودة بهذا الاستخفاف بالعقول رغم الدماء المسفوكة والجرائم الوحشية والحرب الطاحنة ضد الإسلام وكل مظهر إسلامي في تونس، بل أنني حين عدت إلى تونس سنة 1999 لمناقشة رسالة دكتوراه عن: «المسألة الإسلامية في فلسطين المحتلة سنة 1967» لم أحمل معي إلا نسخة واحدة وقرص CD أخفيته خشية مصادرة الرسالة من الأمن التونسي في المطار.

ثم يأتي الشيخ سلمان ليكذبنا بما عشناه وشاهدناه حين يقول: «زرت بلدًا إسلاميًا, كنت أحمل عنه انطباعًا غير جيد، وسمعت غير مرّة أنه يضطهد الحجاب، ويحاكم صوريًا، ويسجن ويقتل، وذات مؤتمر أهداني أخ كريم كتابًا ضخمًا عن الإسلام المضطهد في ذلك البلد العريق في عروبته وإسلاميته. ولست أجد غرابة في أن شيئًا من هذا القيل حدث ذات حين؛ في مدرسة أو جامعة, أو بتصرف شخصي, أو إيعاز أمني, أو ما شابه .. بيد أني وجدت أن مجريات الواقع الذي شاهدته مختلفًا شيئًا ما؛ فالحجاب شائع جدًا دون اعتراض، ومظاهر التديّن قائمة، والمساجد تزدحم بروّادها من أهل البر والإيمان، وزرت إذاعة مخصصة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت