فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 634

الباب بالمفتاح فلم يستجب القفل، فطرق الباب فإذا بفتاتين ما بين 14 - 16 عاما من العمر تفتح إحداهن الباب، فدخل زميلنا البيت دون بصيرة وتوجه إلى ما يفترض أنها غرفته وآوى إلى سريره آمنا مطمئنا! فسارعت الفتاة وأختها إلى والدهما يخبرانه بأن رجلا غريبا دخل البيت ويرقد على السرير .. فدخل الرجل متعجبا مما يجري!! فلم يشتم ولم يزبد ولم يهدد أو يرعد ويزبد .. وما أن بادره بالسؤال عما يفعل حتى كان زميله يطرق الباب باحثا عنه، فربما يكون في غفلة أو أنه أصيب بضربة شمس لم يعد معها يفرق بين شقته وشقة جيرانه. فسارع الأب إلى الباب فبادره زميلنا بالقول: هل جاء إليكم شاب قبل قليل؟ فقالوا: نعم. إنه يرقد بالداخل على السرير. ففهم أن الأمر يكاد يصل إلى حد الكارثة .. فتعذر لصاحب البيت معللا أن الشاب فقد والديه في حادث سير وهو الآن واقع تحت تأثير الصدمة. فما كان من صاحب البيت إلا الدعاء: اللطف .. اللطف يا رب. فالتقط صاحبنا زميلنا ونزل به إلى الشقة. ولما التقيته، وأنا أعلم أنه تعرض لإغلاق في أكثر من موقف سابق، عاتبته وقلت له: ألم تلاحظ بأنك في بيت غريب؟ فقال لي: والله لقد رأيت فتاتين واستغربت من وجودهن في المنزل .. ثم نظرت إلى السرير فإذا به مرتب ترتيبا جميلا وأنيقا .. صحيح أنني شعرت أن الغرفة غرفتي لكن كل ما بها غريب لا يشبه سريري ولا الستائر ولا طلاء الغرفة .. كما أنني سألت الفتاتين من هما وماذا تفعلان هنا؟!! وما كدت ألتقط أنفاسي إلا وزميلي يطرق الباب وينقذ الموقف .. والحمد لله أن هذا الحادث لم يقع ببلدي وإلا لكانت مذبحة.

هذا هو منطق الحياة عند الشعب الذي يعرف العالم أجمع أنه مسالم ومحب ومتعقل وليس عدائيا ولا أحمقا ولا متسرعا. فلا يستطيع أحد أن يتهمه بالتطرف ولا بالعدوانية ولا بالسذاجة ولا بالتهور أو التعجل كما يرى الرئيس الليبي معمر القذافي. لكن أعجب ما في هذا الشعب أنه واضح في أهدافه ومطالبه. فإذا انتفض قدم مطالبه واضحة لا لبس فيها. وسواء كانت صغيرة أو كبيرة لا يهم. المهم أنه يجهد في تحقيقها ويظل في الشارع حتى ينال ما يريد. فلما انتفض ضد بورقيبة سنة 1984 بسبب رفع أسعار الخبز امتلأت شوارع تونس بالمحتجين من شمالها إلى جنوبها رغم أن مطالبه لم تتعدى التراجع عن الأسعار الجديدة. فخرج بورقيبة من قصره لمقابلة المحتجين وأبلغهم بأن الأسعار ستعود إلى ما كانت عليه. وما أن فعل ذلك حتى عاد الناس إلى بيوتهم وعاد الهدوء إلى البلاد وكأن شيء لم يحصل!!!

إذن شعب تونس ليس عدائيا. هذه هي الحقيقة وهذه هي السمة الغالبة عليه. لذا لم يكن أحد يتوقع أن تؤدي الاحتجاجات الجديدة إلى الإطاحة بالرئيس بن علي. لكن الحقيقة البالغة الدلالة أن هذه الانتفاضة ما كان لها أن تحدث بهذه القوة لولا أن بلغ السيل الزبى. فقد كذب صاحب 7 نوفمبر، يوم عزل بورقيبة، وقال في بيانه التاريخي: «لا رئيس مدى الحياة» !!! وكذب مرات ومرات، وبدأ حملة بطش ضد المجتمع وضد الدولة وضد القوى السياسية وضد القوى الاجتماعية وضد الأفراد والجماعات وضد الدين وضد الإسلام برمته وضد الإعلام وضد المؤسسات التعليمية والعلمية وضد الحريات وضد الأخلاق وضد الحقوق. لكنه كان أشد وأنكى في انتهاكه للكرامات البشرية وللحرمات حين اغتصب عفة النساء ورجولة الرجال وسحقها سحقا مريعا، في مشاهد مذلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت