بالنسبة لمسار النظام فقد بدا بن علي متحسبا مسبقا لقادم الأيام. فأعد عدته الميدانية والقانونية على قدم وساق، ونهب ما نهب في اللحظات الأخيرا تحسبا من خروج بلا عودة. وقبل أن يغادر البلاد سلم زمام الأمور للوزير الأول محمد الغنوشي لولا احتجاجات القانونيين والناس على عدم دستورية المادة 56 التي تَسلّم الغنوشي بموجبها رئاسة الدولة وهو يعلم علم اليقين بخطأ فعلته من الناحية الدستورية التي تقضي بتسلم رئيس مجلس النواب مهام الرئيس في حالة شغور منصب الرئاسة بموجب المادة 57.
ومع ذلك فالسيناريو واحد خاصة أنه يحيل الفراغ إلى الدستور بحيث تظل تونس حبيسة النظام القائم ورموزه، وحبيسة الدستور المعمول به والذي يستثني القوى المحظورة كحركة النهضة من أية مشاركة في الحكم حتى خلال الفترة الانتقالية المقدرة بـ 45 - 60 يوما، ستكون كفيلة بعودة الهدوء إلى الشارع تمهيدا لعودة الرئيس الذي اعتبر بيان الغنوشي غيابه «مؤقتا» ! بل أن بعض الأنباء تقول بأن الرئيس سجل خطاب العودة قبل رحيله، وحتى قبل خطابه الأخير.
لكن ما لم يستطع الغنوشي إنجازه جرى التحضير له ميدانيا بمساعدة من أجهزة أمنية عربية ليست مصر ولا ليبيا ولا حتى السعودية فضلا عن دول المغرب العربي ببعيدة عنه. فحين كانت الانتفاضة على أشدها في تونس كان الضحايا يسقطون تباعا. مع ذلك خرج الرئيس التونسي ليتهم بعض «الملثمين والمندسين» بين الناس ممن يقومون بعمليات القتل والتخريب، واصفا إياهم بـ «الإرهابيين» . والحقيقة أنه لم يكذب أبدا. لأن هؤلاء هم من ميليشياته في الحزب الحاكم (التجمع الدستوري) الذين سلطهم على الناس ليعيثوا في الأرض فسادا، ويكون له ما يبرر تدخله الدموي ضد السكان. ولأن الأمر خرج عن السيطرة فقد اضطر للمغادرة دون أن يتخلى عن طموحاته في العودة تاركا هؤلاء وأجهزة الحرس الوطني والأمن الرئاسي ورموز سلطته وحتى بعض أقربائه يعملون بكامل فاعليتهم، ومدعومين بما يحتاجونه من أسلحة، و 800 سيارة تجوب شوارع البلاد وهي محملة بالرعب والدمار تحت قيادة الجنرال علي السرياطي.
من جهتها فقد ساهمت دول المغرب العربي وخاصة ليبيا في مشروع النظام مساهمة فعالة حتى أن الرئيس الليبي لم يستطع كبت غضبه من فشل المخطط المعد مسبقا. وهو الموقف الذي كظمته دول المغرب الأخرى التي صمتت صمت القبور، ليس لأنها تنتظر ما ستنتهي إليه الأمور لتعبر عن مواقفها بل لأنها تتميز غيظا مما انتهت إليه. ومن جهتها فإن السعودية تعلم علم اليقين هي وعلماؤها، الذين صمتوا كالعادة، أنه ما من أحد أشد عداء للإسلام وحربا عليه كما الرئيس بن علي، ومع ذلك فقد استقبلت رئيسا مخلوعا ومطرودا من كل الشعب التونسي وليس من جزء منه. ولم يعد ثمة معنى لهذا الاستقبال إلا أن تكون السعودية ضالعة حتى النخاع في حماية بن علي وتأمين عودته وإسباغ الشرعية على حكمه لأن هروبه إلى ليبيا أو الجزائر لن يمنحه الشرعية التي تنتظره في السعودية. أو أن يكون ما تفعله أو تصدره من مواقف ليس إلا طغيانا يستخف حتى بمشاعر البشر فضلا عن إهانة الشعب التونسي ومصادرة انتصاره.