لكن، وكما يقولون فإن حسابات الحقل ليست كحسابات البيدر، فقد عملت القوى الغربية بوحشية لا مثيل لها لوأد ثمار الثورة التونسية في مهدها. فالفرنسيون أبدوا استعدادهم لتقديم العون للسلطة، والمعلومات المتداولة تؤكد بأن الجيش الذي كان قائده، رشيد عمار، ضالعا في إجبار الرئيس بن علي على مغادرة البلاد ليست سوى نتيجة لتدخلات أمريكية خاصة وأن الجيش هو الذي مكن بن علي من مغادرة البلاد قبل إغلاق الموانئ الجوية والبرية والبحرية بنحو ساعة من الزمن. وفي تصريحات لقناة الجزيرة قال أحمد الخضراوي الضابط التونسي أن قائد الجيش قبل إقالته من منصبه: «تلقى تعليمات في أخر لحظة من الولايات المتحدة من خلال سفارتها بأخذ زمام الأمور في البلاد إذا خرجت الأمور عن السيطرة» ، وأنه: «يستند في ذلك على وثائق بين يديه وهو يتحمل مسئولية هذه المعلومات ويجزم بها» .
لا يهم. المهم أن الغرب كان يشعر، لأول مرة في تاريخه، بحجم الخطر الداهم وهو يتهدد المنطقة من كل جانب وسط احتقانات شعبية وصلت أوجها في أغلب البلدان العربية خاصة في مصر. فالاحتجاجات التي اندلعت شرارتها في تونس تبعتها احتجاجات عنيفة في ليبيا والجزائر، وأخرى كانت تنذر بالانفجار في موريتانيا. لذا فقد بلغت عمليات الاستنفار الرسمي حالاتها القصوى، وأعيد النظر في كافة إجراءات السيطرة والتدخل بأسرع ما يمكن. فما الذي فعله الغرب بالضبط؟
لأن الحريق في تونس قد بلغ ذروته فقد كان أول إجراء اتخذه الغرب مع مخابراته وأجهزة الأمن المحلية يقضي بوجوب (1) تأمين عزل تام لتونس عن جوارها بأسرع ما يمكن من العمل. ثم (2) الدخول في سباق مع الزمن لإطفاء حريق الجزائر وليبيا وهو في بدايته. وبالفعل فقد هدأت الساحتين، عبر بعض الإجراءات المحلية من السلطات، ثم في المرحلة الأخيرة (3) التمهيد لإخراج الرئيس بن علي من تونس. لأنه لو خرج في نفس الوقت الذي تجري به الأحداث في الجزائر وليبيا لكان من المستحيل إقناع الناس بالعودة إلى بيوتهم أو ترهيبهم أو إنقاذ أي نظام في المغرب العربي، ولكان من المستحيل أيضا التكهن بما قد يفضي إليه الأمر في باقي الدول العربية.
مؤامرة من أخبث ما يتصوره العقل البشري. وفرصة عظيمة للأمة لم تحدث، بهذه القوة والمشروعية، منذ انهيار الخلافة، فجرها أكثر الشعوب العربية وداعة، وكادت أن تكون أقوى لحظة للإفلات من قبضة الغرب الذي استطاع وأدها في مهدها وجعلها يتيمة كحال سابقاتها. أما لماذا نجح الغرب؟ فلأن الأمة محرومة من أدوات القوة الاجتماعية والسياسية، ومن أدوات التنظيم، ومن أدوات السيطرة في اللحظات التاريخية الحاسمة، ومن أدوات الاستثمار. لذا فإذا كانت الثورة التونسية قد أثبتت أن الأمة ذات حيوية عالية وطاقة جبارة باستطاعتها الإطاحة بأعتى القوى الطاغوتية إلا أن ثوراتنا واحتجاجاتنا وفرصنا تضيع وهي تتحول كالمال السائب يسطو عليه هذا وذاك.