أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر .. التونسيون .. كل التونسيين قالوا كلمة الحق لما تخلى عنها هؤلاء فصمت بعضهم، وانزوى بعض آخر، وشرَّع آخرون للسلطان جوره وبطشه حتى بدا وكأنه إله يعبد من دون الله .. لا يُسأل عما يفعل وغيره مسؤول عن نسمة هواء في قعر كهف. وبعد رحيل بن علي قال بعض علماء الأزهر بأن: «طاعة الحاكم ليست على إطلاقها في الشريعة الإسلامية» وأن ما حصل في تونس «أقرب إلى الشرعية» .. مثل هذه الفتاوى لم تكن لتظهر من قبل، لكنها اليوم بعض الحديث، وبعض الحقيقة الشرعية، وبعض الشجاعة .. ولو كان ثمة قدر من الرقابة أو بعضا من كلمة الحق عند سلطان جائر لما وصلنا إلى هذا الحد من الطغيان ولما تفشى هذا الكم الهائل من الطغاة وممن يدافعون عنهم بلا وجه حق.
فلماذا، إذن، لا يتقدم العلماء ويعترفون بطغيان الحكم في العالم العربي؟ لماذا لا يتحدثون عن الجريمة التي ترتكب بحق الأمة إلا بعد فوات الأوان؟ لماذا لا يتحدثون عن الطغاة وظلمهم إلا بعد انتزاعهم من كراسيهم؟ لماذا لا يرون في هؤلاء الطغاة إلا أولياء أمور تجب طاعتهم؟ هل يختلف الأمر في تونس عنه في ليبيا أو مصر أو الجزائر أو اليمن أو غيرها من البلدان العربية؟ بالتأكيد لا يختلف. لكن حين يكون ولي الأمر على رأس السلطة فهو حاكم شرعي، والخروج عنه فتنة ومعصية وضلال مبين .. أما خارج السلطة فهو طاغية منبوذ تخلصت الأمة منه وتستحق التهنئة. أية معادلة هذه؟ وما قيمة التهاني وقد امتنع هؤلاء، إلا من رحم الله، عن قول الحق وشرعوا للباطل والظلم من قبل؟ ومن يتحمل وزر من حرق نفسه وقد نأى مَنْ هو أولى منه بنفسه عن قول كلمة الحق والصدع بها حين الحاجة إليها؟
بالأمس حرق بوعزيزي نفسه في تونس، ثم تبعه أربعة في الجزائر وواحد في موريتانيا وآخر في مصر. فلماذا يضطر شباب المسلمين إلى حرق أنفسهم؟ ولماذا يحتجون ويُغلَق عليهم بأقسى أنواع الاحتجاج وأشده ظلما للنفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق؟ ولماذا لم يعد ثمة ثمن للوصول إلى العدالة والحقوق والحرية إلا بحرق النفس أو السجن أو المطاردة أو النفي أو الاعتداء على الكرامة والابتزاز في الحياة والأرزاق؟ هل يرغب المسلمون في الموت دون غيرهم من الخلق؟ هل لأننا نكره الحياة؟ هل لأننا جهلاء لا نعرف الحكم الشرعي؟ بلى. إننا نعرف كل شيء لكنه الإغلاق التام. كل الطرق أوصدت إلى من الحرق!!!! أحرق الله قلب كل ظالم عنيد متجبر .. وحسبنا الله ونعم الوكيل.