فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 634

يغلب الظن على الكثيرين من أهل السنة أن جذر المشكلة يقع في نطاق المشروع الغربي الذي يستفيد من المشروع الإيراني في إثارة الفتنة بين السنة والشيعة محققا اختراقا ملحوظا. وهذا صحيح بدرجة كبيرة. أما الإيرانيون فيستفيدون أيضا من المشروع الأمريكي عبر تخويف السنة وتقديم أنفسهم كمشروع مقاومة للأمة ضد الخطر الصهيوني مستغلين في ذلك حالة انعدام الوزن في العالم العربي. لكن المسألة تشبه بالضبط حالة الصورة في المرآة، وهي تبدو حقيقية، إلا أنها في الواقع معاكسة تماما. إذ يستحيل على العقل أن يتقبل المنطق الإيراني في لبنان بينما هو على النقيض منه في العراق وأفغانستان، علما أن العدو من المفترض أنه ذاته هنا أو هناك. فكيف يمكن تفسير العلاقات الحميمة بين إيران مع الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان بينما تكون ذات العلاقات عدائية في لبنان؟

لعل إيران كالغرب تشعر أنها ذات قوة تكفي للدعوة إلى التشيع ونشر المذهب على أوسع نطاق بما يمكنها من قيادة العالم الإسلامي، إذ من الصعب فهم التمدد الإيراني، على محدوديته، خارج هذا السياق. وكل المؤشرات الآن تدل على نجاح إيران في خداع السنة المناصرة لها مستغلة القضية الفلسطينية بالتحديد للتعمية شبه التامة على ما ترتكبه القوى الموالية لها من جرائم بحق السنة في العراق وأفغانستان، فبرزت حاضنة لمشروع المقاومة. بل أنها دفعت السنة، بدهاء، إلى الاختيار بين المقاومة والعقيدة من حيث يدرون أو لا يدرون.

هكذا يبدو السنة على طرفي نقيض فيما يتعلق بالموقف من إيران ومشروعها متجاوزين بذلك مرحلة التوافق، فالمجتمعات العربية الخالية من التواجد الشيعي، والتي لم تعاني من (أو تشعر بأية) مخاطر فارسية اختارت المقاومة على العقيدة اعتقادا منها بأنها تنأى بنفسها عن الاصطفاف في خانة المشروع الغربي الصهيوني، أما المجتمعات الحاضنة للطائفة الشيعية فقد اختارت العقيدة اعتقادا منها أنها مستهدفة في عقيدتها وفي مصيرها إذا ما نجح المشروع الصفوي في الاستيطان بين جنباتها، وحجة هذه الأخيرة أن الغرب واليهود قلما نجحوا في التأثير على عقيدة الأمة، والثابت أن اليهود مثلا طوال قرن من الزمن نجحوا في تهويد الأرض لكنهم لم ينجحوا قط في تهويد البشر ولم يكن لهم هدفا من هذا النوع.

أما لماذا يخسر السنة فيما يكسب الشيعة؟ فلأن السنة كالشيعة في تحالفاتهم، كلاهما اختار عدو الأمة طوعا أو كرها، لكن الفرق يكمن في أن السنة عملوا ضد المذهب وضيقوا على العقيدة وأوكلوا أمرها للحاكم بينما الشيعة عملوا، من أعلى المستويات السياسية والدينية إلى أدناها، في خدمة المذهب وسخروا له كافة إمكانياتهم وطاقاتهم. ولما يتجرأ بعض العلماء على التحذير من المشروع الصفوي ويدعون لمحاربته فغالبا ما يواجهون بالتشكيك وعدم الثقة كونهم تجرؤوا على المشروع الصفوي وجاهروا في التحذير منه والتصدي له لكنهم لم يتجرؤوا على التشريع للجهاد بذات الحماسة فضلا عن أن بعضهم ينكره من الأصل؟ إذ كيف يمكن التوفيق بين وجوب مقاومة المشروع الإيراني وإغفال المشروع الأمريكي؟ سؤال استنكاري ولا شك. لكن لو سألنا بصيغة أخرى لقلنا: بغض النظر مؤقتا عن مخاطر التقاطع مع المشروع الأمريكي؛ كيف السبيل لإحداث ثقة في خطاب العلماء غير المتوازن في صراحته تجاه المشروعين بحيث يدرك السنة أن ملاذهم يكمن في العقيدة الأقدر على مواجهة شتى صنوف المخاطر وليس المقاومة ذات الحسابات السياسية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت