المحاكم، منشغلة أكثر من غيرها بمقارعة حكومة عبد الله عيسى وقوات الغزو غير آبهة بما يجري على المستوى السياسي. وحتى اللحظة لا يبدو أنه ثمة قوة ثابتة ومتماسكة وواضحة الأهداف والنوايا في الصومال أكثر من حركة الشباب المجاهدين. ولعل في بياناتها ما يكشف عن بعض أسرار هذا التماسك. فهي حركة تمتلك جيشين أحدهما يسمى بـ:"جيش العسرة"، ومهمته عسكرية صرفة تستهدف القوات الأثيوبية والحكومية والميليشيات المسلحة الموالية لهما، والآخر يسمى بـ:"جيش الحسبة"ومهمته اجتماعية صرفة تستهدف فض النزاعات القبلية المستعصية وحماية المجتمع وخاصة التجار والأهالي ومطاردة اللصوص والمجرمين والقراصنة وقطاع الطرق وإقناع التشكيلات الاجتماعية بتطبيق الشريعة.
والأكيد أن المتابعين لشؤون الساحات الجهادية في العالم قد لاحظوا نمطا جديدا من التدخل الجهادي في المجتمع عبر الحالة الصومالية لم تكن مألوفة بهذا الاتساع والنشاط، وحتى الجماعات السلفية الضاربة لم يسبق أن شهدنا تشكيلات لها ذات طابع اجتماعي. وهذا لا يعني أننا ننكر مثل هذا الأمر عليها لكنه في حالة حركة الشباب المجاهدين أكثر وضوحا وفاعلية. ويبدو أن الحركة استفادت فعلا من تجربة العراق، لكن على الأرجح أن تكوين جيش الحسبة فرضته ظروف الحرب الصومالية التي خلفت الكثير من قطاع الطرق والعصابات في ظل غياب الدولة، وبالتالي فهو ظاهرة تستحق المتابعة.
أما أبرز الأحداث المستجدة فهي سقوط العديد من الأقاليم والمدن الجنوبية بيد حركة الشباب المجاهدين. ولا شك أن سقوط ولاية جوبا وعاصمتها كيسمايو ثالث المدن الساحلية (528 كلم جنوب العاصمة مقاديشو) ، وطرد الميليشيات الحكومية منها بزعامة بري هيرالي كان الحدث الأهم على الإطلاق. ومن الطريف أن أصواتا في التحالف أعلنت أن القتال في كيسمايو لا يخدم الشعب الصومالي ثم عادت وتحدثت في وقت لاحق عن مشاركة قوى أخرى غير الشباب المجاهدين ساهمت في السيطرة على المدينة!
المهم في الحدث أن سقوط المدينة كان تتويجا للحملة على ولاية جوبا السفلى أسفرت، بحسب بيان للحركة صدر في 12/ 8/2008، عن فض سلسلة"نزاعات قبلية دامية عصفت بمعظم مدن الولاية حتى تمّ إبرام صلح شامل بين قبائل متناحرة طوال عقود من الزمان"، وتبع المصالحة بحسب نفس البيان لقاء جمع"رجال الحسبة"مع"رؤساء العشائر وأعيانهم"حيث"عرضوا عليهم الالتزام بشريعة الرحمن التي بالتحاكم إليها تصان الدماء الأعراض وينبذ الاقتتال الجاهلي، فقوبل عرض الإخوة بترحيب ورضاء ... فطأطأ رؤساء العشائر رؤوسهم لمتطلبات الشريعة المحمدية آخذين بالعهد للعمل بمقتضياتها وفعل مأموراتها وترك منهيَّاتها". أما في كيسمايو فقد:"كبّر الناس لقدوم المجاهدين إلى أرضهم مطالبين بمساعدة إخوانهم في تطبيق الشريعة ومحاربة قطّاع الطرق واللصوص".
لكن ميليشيات بري هيرالي عاودت الكرة لاستعادة المدينة من الحركة إلا أنها فشلت، بل أن هيرالي نفسه نجا من كمين لاغتياله قبل أن يغادر المدينة نهائيا رفقة ما تبقى من قواته. والعجيب في أحداث كسمايو أنها تعرضت لتعتيم إعلامي مقصود استفاق مرغما على حقيقة سقوط المدينة والإقليم برمته. والأكيد أن المتابع لتغطية الإعلام العربي للوضع في الصومال لاحظ أن حالته تشبه حالة النعامة وهي تضع رأسها في التراب اتقاء لخطر يتهددها. لكن سواء تم تجاهل الحركة إعلاميا حتى وهي تسيطر على كسمايو، أو أطلقت بعض الفضائيات على مقاتليها تسميات من نوع:"المسلحين الإسلاميين"أو أنكرت عليهم حتى التسمية التي سموا