فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 634

شمال العاصمة مقاديشو، وتدعى بونت لاند سنة 1998. وهذه الأخيرة تحكمها أكبر القبائل الصومالية المعروفة باسم مجرتين والتي ينسب البعض تسمية المنطقة باسمها (مجيرتينيا) . وتعتبر الملاذ الآمن للقراصنة الذين يسوقون السفن المخطوفة إليها أكثر من غيرها حيث يقع ميناء مدينة أيل على سواحلها. بل أن وسائل الإعلام تنسب أغلب القراصنة إلى هذه المنطقة.

ومن الواضح أن الموقع الاستراتيجي لمنطقة بونت لاند على جانبي القرن الأفريقي مقارنة بالمناطق الأخرى من الصومال يوفر لها امتيازات تخدم نشاط القراصنة بما لا توفره أية منطقة أخرى من البلاد خاصة وأن سواحلها تطل على جانبي القرن الأفريقي البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي. وهذا يطرح سؤالا جوهريا ليس عن هوية القراصنة فحسب بل عن أولئك الذين أرادوا لهذه المنطقة أن تلعب دور رأس الحربة في عمليات القرصنة بغض النظر عما إذا كان سكانها أو حكامها أو حتى القراصنة متورطون أو لا في تنمية الظاهرة أو احتضانها؟ فالملاحظ أن المنطقة تمَكِّن أية قوة سواء كانوا قراصنة أو غير ذلك من:

(1) مراقبة حركة الملاحة البحرية القادمة (من) أو العابرة (إلى) قناة السويس باتجاه البحر الأبيض المتوسط وعبره إلى أوروبا والعالم.

(2) سهولة خطف السفن المارة في عرض المحيط الهندي وعلى امتداد السواحل الصومالية حتى كينيا.

(3) سهولة خطف السفن القادمة من البحر الأحمر عبر مضيق باب المندب وخليج عدن والانزواء بها على الساحل الشرقي للصومال.

الحقيقة أنه يمكننا تفهم القراصنة كمجموعات محترفة وخبيرة يمكنها ممارسة القرصنة، لكن من الصعب علينا رد اختيار المنطقة إلى عبقرية خفر السواحل أو لصيادين بسطاء لا تتجاوز أقصى أمانيهم سد رمقهم، فكيف لهم أن يهددوا أنشط الممرات المائية في العالم ويتجرؤوا على خطف ناقلات عملاقة ويستعْدوا العالم عليهم!؟ كما أنه من الصعب تصور أن العدد المقدر للقراصنة قادر على التمركز في قواعد آمنة والاستطلاع والهجوم، والأسوأ من ذلك قدرة هؤلاء على إدارة عمليات القرصنة بهذا الحجم الكثيف والبالغ الخطورة وسط عشرات السفن الحربية الدولية في المنطقة أو في عرض البحر. وحتى اختطاف ناقلة النفط السعودية ما زال القراصنة يحتفظون باثنتي عشرة سفينة وعشرات المخطوفين، فمن يسهر على أمن المخطوفين صحيا وغذائيا؟ ومن يسهر على حراستهم؟ ومن يسهر على حراسة السفن ذاتها من عمليات تسلل مضادة من السهل أن تقوم بها القوى الدولية؟

هذه المعطيات وغيرها دفعت الكثير من المراقبين والمسؤولين إلى التشكيك بحقيقة الظاهرة، ويميل البعض إلى وجود أهداف سياسية تقف خلفها، وربما قوى أمنية تدعمها وتوفر لها سبل البقاء والاستمرارية، فلا أحد ينكر أن المنطقة ذات نشاط تاريخي في القرصنة، لكن من يصدق أن تفاقم هذا النشاط في أقل من عامين على سقوط المحاكم له علاقة بالتاريخ؟ ومن يصدق أن أثيوبيا وكينيا ليستا متورطتين في دعم القرصنة ولو بشكل غير مباشر؟ ومن يصدق أن هذا النشاط المحموم ليس له علاقة فيما يجري في الصومال من معارك بين القوى الإسلامية والقوات الحكومية المدعومة من أثيوبيا؟ ومن يصدق أن مجلس الأمن وبعض الدول العربية غير متورطة حتى النخاع في إبقاء الوضع في الصومال على ما هو عليه مشاعا سائبا ونهبا لمن حط الرحال؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت