فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 634

والثاني، أن تتوجه فعالياتها نحو رؤوس المشروع ورموزه وهو ما حصل فعلا لكنه توجه فشل في هدم المشروع الذي ظلت الولايات المتحدة تموله حتى آخر قطرة حياة فيه. وخلال ذلك كانت القوات الحكومية وقوات الاحتلال تستفيد من تعزيز وجودها على الساحة إلى أن أمكن الاستغناء عن خدمات المنتسبين للمشروع والداعمين لهم.

لكن بين الخيارين ظهر خيار ثالث هو الذي أحدث الغموض والضبابية. إذ أن الجماعات الجهادية اضطرت إلى الانزواء عن الأنظار خشية أن تخوض حربا عبثية يمكن أن تخسر فيها رصيدها البشري لو ظلت تعمل فوق الأرض كما كانت قبل مشروع الصحوات، وعليه فلم نعد نسمع عن معسكرات ولا مناطق تمركز ظاهرة للعيان ولا حركة في الشوارع إلا في حالات معينة كان الهدف منها بث رسائل سياسية وأمنية.

وفي وقت سابق رصدنا مقالتين إحداهما تتحدث عما يسميه كاتب بـ:"استراتيجيا الحرباء بين أفغانستان والعراق"والثانية تتحدث عما يسميه كاتب آخر بـ:"استراتيجيا التظاهر بالموت". ولعل هذا ما يحصل بالضبط على الساحة العراقية. فالسلفية الجهادية في العراق وأغلب الجماعات الأخرى تعمل منذ سنتين تقريبا بموجب التخفي والتكيف بحسب الوضع الأمني بصورة تبدو معها كما لو أنها ميتة، وهو ما أدركته القوات الأمريكية واقعا لا تأويلا. ومن يتابع سلسلة الحملات العسكرية التي شنتها الحكومة على ديالى والموصل لا شك أنه أيقن استراتيجيات العمل الجديدة. فحتى أصحاب الشأن اعترفوا بفشل هذه الحملات فشلا ذريعا ابتداء من المالكي وانتهاء بالأمريكيين. بل أن تصريحات طريفة لضابط أمريكيين إبان الحملة على ديالى أقرت بفشل بلغت نسبته 100%. ففي المدينتين دخل عشرات آلاف القوات المهاجمة لكنها لم تجد شيء تهاجمه رغم علمها يقينا بأن المدينتين تعجان بالمجاهدين! لنتابع فقرة ذات دلالة بالغة وردت في صحيفة الوول ستريت جورنال (wall street journal) تعليقا على حملة ديالى الأخيرة (أواخر شهر تموز / يوليو 2008) حيث تقول:

(إن القوات الأمريكية العاملة في محافظة ديالى فشلت في العثور على من تطارده من مسلحين أو أسلحة. وقالت أيضا أن هذه الوحدة العسكرية الأمريكية وصلت إلى المنطقة قبل خمسة أيام من الموعد الذي أعلنته الحكومة وبدأت فيه عملياتها العسكرية في ديالى، وكان يوم الثلاثاء 29 يوليو 2008. و قال ضابط أمريكي إننا نطارد أشباحا وقد فتشنا منذ خمسة أيام جميع المنازل ولم نعثر على أي إشارة لوجود مسلحين أو أسلحة. ولكن المسلحين مع ذلك لم يهدؤوا، وتركوا أثارهم وراءهم بعشرات القنابل التي نصبت بعد انطلاق العمليات العسكرية. ويقول هذا الضباط للصحيفة، أن المشكلة هي كيفية خروج المسلحين ودخولهم دون أن نراهم، ولا ندري أين يختفون) .

لا ريب أن هذه التصريحات بالغة الإثارة والأهمية في وقت واحد. فالذين اعتقدوا وروجوا منذ عامين أن القاعدة أو دولة العراق الإسلامية لم يبق عليها سوى بضعة شهور حتى تتلاشى عليهم أن يجيبوا ويحددوا عناصر التلاشي، وعليهم أن يفسروا أسباب فشل الحملات العسكرية المتواصلة على المقاتلين، وعليهم أن يحددوا للعسكريين الأمريكيين أين كان المقاتلون يتمركزون حين تعرضوا لهجمات استراتيجية كاسحة في ديالى والموصل. وأين ذهبوا؟ وأين مخازن تسليحهم؟ وأين مقرات صناعاتهم العسكرية؟ وأين هي الأدلة على تفكك التنظيم أو مقتل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت