فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 634

وفوضى عارمة وفتن وملاحم ونفوذ طاغ للقوى الأجنبية والاستخبارية في العالم لأدركنا، بحسابات مادية، أن هذا البلد وأهله لن تقوم لهم قائمة بعد اليوم.

ولكننا نرى على الجانب الآخر جماعات المقاومة والجهاد تنتظم في العراق بسرعة البرق غير عابئة بعديد وعتاد القوى الأجنبية التي تمتلك من القوة ما لم تمتلكه أية قوة مسلحة على الأرض، ومع ذلك فالضربات التي تتلقاها القوى الغازية من المجاهدين على اختلاف تشكيلاتهم أثارت العالم أجمع وأرعبت قوى الاحتلال وأثخنت فيهم من الجراح ما لا ينفع مقارنته حتى بحرب فيتنام أو كوريا وغيرهما هذا إن لم تكن المقاومة قد نجحت فعلا في إهانة هذه القوى وحلفائها مجتمعة وألحقت بسمعتها ضررا بالغا يصعب جبره. ومع أن الاحتلال وحرب البضع سنين ما زالتا في بداياتهما إلا أننا نلحظ اعترافات بالهزيمة ومخاوف استراتيجية منها قد تطيح في الولايات المتحدة ذاتها وتهدد كل دول الإقليم الجغرافي وفي مقدمته إسرائيل.

هنا يبدو الظواهري محقا في السخرية من الولايات المتحدة ومستخفا حتى بعقول شعبها بمحتوى يبعث على الشفقة بحق. فما الذي يمكن أن تفعله الولايات المتحدة في العراق ولم تفعله بعد، وهي المدججة بأحدث أنواع التكنولوجيا وآلة الحرب وبحضور مباشر لعشرات آلاف الجنود ومعها عشرات الدول الغازية وكلها تتلقى الدعم والنصرة على الأرض من عصابات القتل وأصحاب المشاريع الصفوية؟ وماذا سيضير المجاهدين لو أرسل بوش بضعة أو عشرات الآلاف من جنوده إلى العراق أو حتى لو أرسل الجيش الأمريكي كله إلى هناك؟

لهذه الأسباب بالضبط ولمثلها وغيرها يتخوف العسكريون الأميركيون ويعارضون إرسال المزيد من القوات كي لا تتحول إلى أهداف سهلة. ولهذه الأسباب بدا جورج بوش والمالكي يتبادلان التهم عن التقصير ويتصارعان على من يرحل أولا، ولهذه الأسباب يصرح بوش بأن الفشل في العراق سيعني تهديدا"لنا ولكم"، وكأنه يريد القول بالضبط أن هزيمة الولايات المتحدة وخروجها من المنطقة ستعني استحالة العودة إليها واستحالة مهاجمة العراق ثانية واستحالة القدرة على تحقيق أي شكل من الأمن والاستقرار في المنطقة وبالتالي استحالة الدفاع عن أي حليف لها. ولنفس الأسباب أيضا شرع عملاء الولايات المتحدة بترحيل عائلاتهم إلى الخارج استعدادا لاستحقاق الهزيمة القادمة.

لا شك، إذن، أن لتهديد الظواهري موطئ قدم ثابت في العراق، وبحسب الخطاب، يتوجه الظواهري إلى الشعب الأمريكي ليس من باب"الدين والأخلاق والمبادئ التي لا يفهمها معظمكم" (الأمريكيين) بل من باب لغة"السعي وراء النهب والسلب والشهوات التي تفهمونها"قائلا لهم:"إذا أردتم أن تعيشوا في أمن فعليكم أن تقبلوا بحقائق الأمر الواقع على الأرض وترفضوا الأوهام التي يحاول بوش أن يخدعكم بها ... الأمن قسمة مشتركة ... إذا أمنا فقد تأمنون وإذا سلمنا فقد تسلمون وإذا ضُربنا وقتلنا فحتما بإذن الله ستُضرَبون وتُقتَلون. هذه هي المعادلة الصحيحة فحاولوا أن تفهموها إن كنم تفهمون".

والحقيقة أن الظواهري يلفت الانتباه في مخاطبته للأمريكيين حين يشير عليهم بأنهم يجهلون"حقائق العقائد والتاريخ كما هي في الواقع وليس كما يحاول الرئيس الأمريكي أن يعرضها عليكم". وهو إذ يقرأ الهزيمة الأمريكية في العراق بصورة واثقة نراه يحرص على تذكير الأمريكيين بأمرين هامين جدا تسببا إلى حد ما بالفشل الأمريكي والهزيمة القادمة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت