زال البعض يعتبر, وفقا لمفردات الوحدة الوطنية وضروراتها، أن"محمد دحلان ومحمود عباس أخوين لهما وهم يعلمون حق العلم أنهما علمانيان بائعان لفلسطين, معاديان للشريعة, خائنان وعميلان لأمريكا وإسرائيل، منعنا الله في قرآنه أن نوادهما وأمثالهما أو نتخذهم أولياء"، فـ"كيف يمكن أن نعتبر باعة الدين والأرض إخوانا ً لنا؟".
وثالث هذه النتائج، فمن المعلوم أن أحدا لا يجادل في فرض واقع التجزئة على الأمة عبر اتفاقيات سايكس - بيكو وتقسيم العرب إلى فتات من الدول، ولكن الدفاع عن هذا الواقع والترويج له وتبنيه والعمل بآلياته عبر الأطروحات الوطنية والقومية واليسارية سيعني بالضرورة بقاء أصحاب هذه الدعوات"أسرى المساحات العلمانية الضيقة التي رسمتها لهم القوى الاستعمارية وعملائها". وسيعني هذا الاختيار بنسبة غالبة التسليم بالشروط العلمانية بحسب ما يمليه الطرف الأقوى على الطرف الأضعف، وبالتالي يمكن التنبؤ مسبقا بسيل من التنازلات عن الأرض والحقوق وما يسمى بالثوابت الواحد تلو الآخر دون أن يكون هناك ثمن ما بحجة موازين القوى أو الخصوصية الفلسطينية. بل أنه سيعني في حده الأدنى غض الطرف، رغبة أو رهبة، عن خروقات واعتداءات تطول الآن الدين الإسلامي برمته وتصول وتجول في الفضاءات الثقافية والدينية والجغرافية والاجتماعية الإسلامية وقلّ من يرد عليها. فمن سيرد على هذه القوى الغازية إن كانت الروابط الوطنية والقومية ذاتها قد تكسرت وتداعت تباعا ناهيك عن أنها"خضعت للشرعية الدولية, وقبلت بالتخلي عن الأرض, التي كانت تعتبرها رابطة التآخي والانتماء, والتحقت بالقطار الأمريكي ورضيت بالأمر الواقع المفروض من واشنطن"سرا أو علانية؟
فكيف سترد حماس مثلا، وهي قوة إسلامية وليست علمانية، على الاغتيالات في غزة والضفة وهي في سدة السلطة وتعلن التزامها بالهدنة؟ وكيف ستجهر بالدفاع عن فلسطينيي العراق وهي أسيرة الموقف الإيراني؟ وكيف ستعلن رفضها للمبادرة العربية وهي تخشى الغضب السعودي أو المصري وتتحدث عن وثيقة الوفاق الوطني؟ وكيف ستلجم تيارا متصهينا في السلطة الفلسطينية وهي جزء منها وتسعى إلى التفاهم مع رموزها على أسس علمانية من دساتير ومؤسسات ووثائق؟ وكيف ستتجنب اتهامها بالإرهاب وهي المطلوب منها ليس وقف العمليات فقط بل والاعتراف بإسرائيل والتخلي عن سلاحها؟ وبأي عين ستواجه حتى أنصارها ومحبيها وهم يشاهدون الإخوان المسلمون من محسن إبراهيم إلى طارق الهاشمي يستمتعون بكعكة الاحتلال من مجلس الحكم إلى حكومة المالكي دون أن تقوى على إدانة أو استنكار هذا العار لأبناء الجماعة ذاتها؟ وإذا كانت ترفض ذلك فلماذا ألقت بنفسها في بيئة مدمرة أصلا؟ ألا تشعر حماس اليوم بأنها مكبلة ومحاصرة ومهانة من أحط العملاء والخونة من بني جلدتها قبل عدوها؟ هل هذه هي الراية الخالصة التي حملها السلف من أعمدة الجهاد والشهادة؟
بالتأكيد ليست هذه هي الراية التي يحملها المجاهدون في العراق وأفغانستان والشيشان وكشمير وغيرها من البلاد الإسلامية المحتلة، فالراية التي يتحدث عنها الظواهري أو بالإجمال السلفية الجهادية هي راية التوحيد الخالص لله وما دونها شرك صريح فـ"الجهاد في سبيل الله لا يتحقق إلا إذا كان القتال لتكون كلمة الله هي العليا، قتال خالص لوجه الله, يتبرأ من الخونة العلمانيين وإن كانوا من قومنا وعشيرتنا, ويوالي المؤمنين المجاهدين وإن كانوا لا يمتون لنا بنسب ولا جيرة"وفي هذا رد محكم على من يقول بالخصوصية لفلسطين وغير فلسطين. ولما تكون الراية نقية صافية سيكون ثمة فرق كبير بين من يخاطب بوش بلغة"نحن نعلن اليوم عليكم أوامرنا فاقبلوها طائعين"