فهرس الكتاب

الصفحة 487 من 634

بهذا المعنى من المؤكد أن الجيش انسحب من الجبهة، فقط، بعد أن عرف العامة و"طفت المنكرات على السطح"، وهذا لا يستقيم مع ما تلقاه الجيش من"نصيحة كثير من أهل العلم والتجربة"ولا مع كون الجيش يعج بـ"العلماء وطلبة العلم"إلا إن كانت النصيحة إياها من داخل الجيش نفسه.

-كان بوسع الجيش الانسحاب مبكرا عملا بمبدأ شرعي يقضي بـ"اتقاء الشبهات"لكنه لم يفعل، وفضل النصح رغم أن الحدث العراقي، بالمقارنة مع أحداث عالمية كثيرة وخطيرة جدا، بدا ولمّا يزل حتى الآن يمتاز بسرعة التقلب. فالوضع العراقي ليس هو الوضع الفلسطيني ولا الوضع اللبناني ولا الأفغاني ولا الشيشاني حيث التغيرات في هذه البلدان بطيئة، وقد تستغرق سنوات قبل أن تظهر آثارها. أما في العراق فالأحداث شديدة التسارع ومخيفة جدا، فقد سقطت بغداد فجأة وانقلبت الطوائف على بعضها بلمح البصر وظهر الجهاد فور وقوع الاحتلال؛ فتفاجأت الأمة والأمريكيون والدول والمثقفون والخبراء وأجهزة الأمن والمخابرات حتى أن الزرقاوي قتل وأغلب المثقفين يشككون بوجوده فكيف بالعامة؟ وفي ظرف ثلاث سنوات لا أكثر كاد الأمريكيون يفقدون صوابهم وهم يئنون تحت وقع ضربات ما شهدتها حرب لا في فيتنام ولا في كوريا ولا غيرهما، فالحرب كانت ساحقة وماحقة لا مساومة فيها ولا تسامح، أما د. أيمن الظواهري فقد أخذ يتغنى بأمجاد العراق والحرب التي قصمت ظهر أمريكا. أما الرئيس الأمريكي جورج بوش فقد صرخ بأعلى صوته مخاطبا الزعماء العرب: ماذا يريدون؟ لماذا لا يتحركون وأنظمتهم مهددة؟ وفعلا لم يتنفس الأمريكيون الصعداء إلا على وقع اختراق الجانب السني في الصميم.

لذا فإن تشكيل الجبهة بلغة"التمايز"كانت كارثة، وبقاء الجيش لأكثر من عام في أوج الإعصار يعتبر فترة طويلة جدا، وغير مبررة، لا بالمناصحة ولا بإحسان الظن ولا بمشروعية البحث عن"الأدلة اليقينية"، فالأمور تقاس بنتائجها. والنتائج تراجع المشروع الجهادي. إذ لا يعقل أن ينشغل الجيش، إلى هذه الدرجة، بالتفتيش عن الأدلة اليقينية ومن ثم الدخول في مناصحات عقيمة بينما تتضخم الصحوات وتتحول إلى مشروع احتلال اجتماعي يحظى بغطاء من بعض المشايخ، فيما المناطق والمدن والأحياء تسقط تباعا بيد الصحوات الواحدة تلو الأخرى سواء في بغداد أو الأنبار أو ديالى أو سامراء أو تكريت أو صلاح الدين ثم تتلقى الموصل هجوما جرارا عليها. فمن يتحمل خطأ الاجتهاد؟ ومن يتحمل خطأ النصيحة؟ ومن يتحمل مسؤولية ضرب المشروع الجهادي وإضعافه؟ ومن يتحمل أحداثا جسيمة بحجم العامرية وديالى والأنبار ويظل على اجتهاده كما لو أنه آية؟

-لو راجعنا الهزات التي تعرضت لها جبهة الجهاد والإصلاح سنلاحظ أن جيش الفرقان انشق عن الجيش الإسلامي، في وقت مبكر (18/ 7/2008) من تأسيس الجبهة، وعلل انشقاقه بـ:"مخالفات شرعية"و"فتن صاغها المحتل وأعوانه وأخرى هي من عند أنفسنا"و"استعجال قطف الثمرة و"انحراف البعض عن المنهج النبوي"وأخذ الناس بـ:"بالشدة والغلظة وعدم الرفق والحلم والتدرج وعدم مراعاة منازل الناس"، وعليه"نعلن انفصالنا من الجيش الإسلامي ... ونتبرأ من كل ما خالف شريعة الرحمن". أما جيش الفاتحين فقد أعلن انسحابه من الجبهة في بيان صدر عن مكتب الإمارة بتاريخ 1/ 1/2007. وبرر انسحابه بالقول:"أن هذا المشروع لن يحقق لنا هدفنا المنشود بسبب ما وجدنا من اختلاف بين الواقع في الساحة الجهادية وبين ما تم الاتفاق عليه من منهج وثوابت في الجبهة"، مشيرا"أننا بينا الخلل وحاولنا الإصلاح جاهدين ولكنا وجدنا نفورا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت