المهم أن الأمريكيين اكتشفوا، في ضوء تجربتي العراق وأفغانستان، أن تعريض أعداد ضخمة من السكان لاحتلال مباشر وسط تطور حضري معقد أثبت فشله الذريع، فالشعوب المستهدفة اليوم ليست شعوب الأمس البسيطة والمسالمة والغارقة في الجهل والتذمر. واستعمال ذات السياسات القديمة وأدواتها في مجتمعات اليوم لن يحقق أهدافهم لا هم ولا الغرب عموما، ويبدو أن الشيخ أسامة بن لادن كان محقا لما قال في رسالته للأمريكيين بأن قادتهم يفكرون بعقلية العصور الوسطى، فالعربة الاستعمارية الأوروبية لما انطلقت في القرن التاسع عشر حرصت بداية، فيما عدا الهند، على تفكيك الدول الكبرى إلى تجمعات صغيرة حظيت فيما بعد بامتياز الدولة المستقلة على بضعة ملايين أو أقل من السكان بحيث يمكن تحقيق احتلال مريح وهيمنة مستقبلية ممكنة لبضعة عشرات من السنين، لكن هذه الدول خرج سكانها على الأقل من طور الأمية وحصلوا على قدر من التعليم يمكِّنهم من التمييز وبناء المواقف، كما أنها الآن ذات كثافة سكانية ليست بالقليلة، فالدولة التي كانت تعد نحو 2 - 5 مليون باتت اليوم تؤوي ما بين 20 - 30 مليون، ومن الجدير أن نتذكر تصريحات وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بعد احتلال العراق بعام وهو يكرر القول في كل مناسبة ردا على إخفاقات جيشه أمام هجمات المجاهدين:"أن العراق دولة كبيرة سكانا ومساحة، ويصعب علينا السيطرة بسهولة عليه"! فكيف سيكون الأمر سهلا مع دول أخرى ذات كثافة سكانية أعظم في مناطق شديدة التوتر عالميا وذات تراث حضاري عريق ومنبع ديانة حية كالإسلام؟ كيف يمكن إيقاع الاحتلال مثلا على دول بحجم مصر والسعودية وسوريا فضلا عن الجزائر والمغرب؟
لهذا ينبغي ألا يُنظر إلى الحديث الطويل والمتكرر منذ أوائل تسعينات القرن العشرين عن"تفيكيك المفكك وتجزئة المجزأ"والمرور على هكذا عبارات مرور الكرام، بل ينبغي أن يوضع في الاعتبار أنه ما من دولة عربية أو إسلامية بمنأى عن التفكيك والتجزئة ابتداء من أندونيسيا وانتهاء بالمغرب، أما متى فتلك مسألة أخرى. المهم أن الولايات المتحدة بصدد تغيير استراتيجياتها كي تتمكن من تفكيك الكتل السكانية أو إضعافها أو اختراقها للقبول بعروض الانفصال أو الاستقلال:
-إما عبر إصابتها بفيروس الفتن الطائفية أو القومية والإثنية كاستخدامها للعنصر الشيعي مثلا في العراق؛
-وإما عبر العولمة كآلية ملائمة في ضرب القدرة الشرائية للسكان وإفقارهم وتجويعهم وتهيئتهم لاستقبال القهر والألم الشديدين تمهيدا لزرع فكرة ضرورة التغيير حتى لو كان التفكيك والترحيب بالاستعمار هو الثمن المطلوب تماما كما كان الحال بعد الحرب العالمية الأولى كنتيجة للظلم العثماني من جهة والتحريض الأوروبي للمجتمعات والنخب العربية على ضرورة التخلص من الإمبراطورية المتخلفة من جهة ثانية.
بطبيعة الحال فإن استخدام العولمة كإحدى آليات التفكيك سيعني توقع انخفاض خطير في سقف الحريات في البلدان العربية والإسلامية خاصة وأن السلطة ستشعر أنها مستهدفة وبالتالي ستضطر إلى الدفاع عن نفسها بشراسة عبر المزيد من تغولها على المجتمع أمنيا، وهذا من شأنه ترقية الوضع المتأزم ليصل إلى حالة من الانفجار في صورة صدامات بين الدولة والمجتمع باعتبار الدولة مسؤولة عن تردي الأوضاع وسوء المعيشة، فكيف ستواجه الدولة مثلا تصريحات لمدير البنك الدولي وهو يهمس في أذن الحكام محذرا بأن موجات الغلاء ستواصل ارتفاعها حتى سنة 2015؟