ولتذهب كل القيم والمبادئ والأخلاق والدين إلى الجحيم، بل ليذهب الإسلام والمسلمون إلى الهاوية، ولتذهب الأمم والأوطان والتاريخ والحضارة والمنجزات والمكتسبات إلى أحضان من يريد من القوى الاستعمارية كائنا من تكون، ولا بأس إن عادت الأمة والبلاد إلى عصور ما قبل التاريخ نهشا ونهبا للأفاقين والمجرمين. وعلى حد قول أحدهم على إحدى فضائياتهم الملعونة شعرا"لا بدنا عرب ولا عروبة ولا إسلام ولا مسلمين ... يكفينا أميركا لظهورنا حامين". هؤلاء هم الصفيون وهذه هي صفاتهم وعقليتهم.
إلى هذا الحد فالمسألة قد تبدو إحدى عثرات التاريخ حيث لا عجب أن تخرج فئة أو ملة على هذه الأمة بين الحين والحين لتعتنق وتتغنى بأحط ما يمكن للمرء أن يتصوره من أخلاق أو قيم أو عقائد. وواقع الحال أننا بتنا نلحظ في أيامنا هذه ظاهرتين جديرتين بالانتباه إحداهما هي السلفية الجهادية التي تقارع قوى الغزو الصائلة في بلاد المسلمين وهذه لم تجتمع الأمة على نكرانها أو معاداتها بقدر ما اجتمعت، كثيرا أو قليلا، على التعاطف معها، والأخرى هي ظاهرة الصفوية كمشروع والتي تجتمع الأمة على مواجهتها ومنازلتها على قدم وساق وبنفس المستوى من منازلة قوى الغزو إن لم يكن أزيد.
أما المشكلة المثيرة فعلا والشديدة الخطورة فتكمن في تحول المشروع الصفوي إلى ما يشبه الفلسفة والمنهج إن لم يكن كذلك في الصميم. فالصفوية غدت ملاذا لكل خارج عن دينه وعقيدته ولكل خائن لوطنه ولكل عميل لعدوه ولكل متقاعس وبليد ولا مبالي بأمر الأمة، بل أنها باتت مذهبا محببا ومنهجا مؤطِّرا تبرَّر فيه ارتكاب كل الموبقات والكبائر، وصرنا نرى جهارا نهارا من يسير على خطى الغزاة ومنهج الغزاة وسلوك الغزاة ويتمثل مواقفهم ونصائحهم ويشاورهم في الأمر ويلتزم بما يشيرون عليه ويسبح لهم بالحمد والشكر بالغدو والآصال ويقبل أياديهم ليل نهار كمخَلّصين ومنقذين وأصحاب حضارات لهم علينا، نحن المتخلفين، حقوق.
ولعل ما هو متوافر من صفات بات أقبح من مضمون وآليات المنهج الصفوي ذاته حيث نلحظ في تفكير هؤلاء، من تصريحات سياسية أو كتابات أو أي سلوك سياسي، كما لو أنه لم يعد يعنيهم لا مذهب ولا عقيدة ولا دين ولا قيم ولا أخلاق ولا حتى أية مرجعية أو أيديولوجية لا وطنية ولا قومية ولا إلحادية ولا محتوى لأي منطق ولا لأي أمر يمكن الركون إليه بحيث نقول أن لمثل هؤلاء وجهة نظر بما في ذلك الخيانة والعمالة.
فكيف يمكن أن تتناقش مع أناس يقولون لك ببساطة: سنفعل ما نراه صحيحا ولا يهمنا كل الانتقادات أو ردود الفعل. كيف يمكن أن تتفهم شريحة من هذا النوع وهي تضرب بعرض الحائط كل محرم أو مقدس من الذات الإلهية وحتى الألم والدم الذي باتوا يتاجرون به؟ وكيف يمكن أن يؤتمن مثل هؤلاء على مصالح أمة بينما الكذب والنفاق وقلب الحقائق عن علم وسبق إصرار باتت تحتل في عرفهم أعلى درجات السلم القيمي والأخلاقي وعلى مرأى ومسمع من الخلق أجمعين؟ فهل لمثل هؤلاء أمة ينتمون إليها؟ أو أوطانا يحترمونها؟ أو عقيدة يدينون بها؟ وبماذا يختلفون عن أقرانهم الصفويين إن كان هناك سِعَة للحديث عن اختلاف؟
إذا كنا نتخوف فعلا من المشروع الصفوي وامتداداته حتى في مناطق سنية بالكامل مثل فلسطين والأردن وتونس والجزائر وغيرها فالأجدى أن نتخوف أيضا ممن بات لهم منهجهم الصفوي ويتربعون على سدة السلطة ويبثون سمومهم وسط الناس ويعملون على خلق جيل على شاكلتهم، وهنا تكمن الطامة الكبرى ويستفحل الخطر، ففي مثل