أن العراق، من جهة أخرى، لم يكن ينقصه المهندسون ولا الخبراء لاستئناف عمليات التصنيع والتطوير خاصة وأن الكثير من هؤلاء غدوا من قادة المقاومة وعلمائها وخبرائها.
أما المعاينة الثانية فتتعلق بتنوع مصادر إسقاط الطائرات، وهذا يؤشر إلى حد ما على تنسيق ميداني كبير بين الجماعات المسلحة بما في ذلك دولة العراق الإسلامية وعلى مستويات مختلفة، فضلا عن أنه يكشف عن توفر خبرات متقاربة وابتكارات متجددة بحيث تتوجه خطط المقاومة نحو أهداف موحدة ومتفق عليها. ومثل هذا الأمر لم يعد من باب التخمين أبدا بقدر ما هو حقيقة واقعة وله شواهد كثيرة أبرزها ما كشفته مفكرة الإسلام عن الاجتماع الموسع الذي"انعقد في بغداد وضم كافة قادة فصائل المقاومة العراقية، وشيوخ، ووجهاء، ومواطنين من أهل السنة، لبحث كيفيه صد العدوان الصفوي الأمريكي على أهل السنة في بغداد، في ضوء الخطط الأمريكية المرتقبة". وأوضحت المفكرة"أن دولة العراق الإسلامية طرحت خطة، وصفت من قبل الجميع بأنها محكمة، وتم اعتمادها من قبل بقية الفصائل، ووجهاء السنة، وشيوخ العشائر، تقوم على تقسيم المناطق السنية في بغداد إلى قواطع عمليات عسكرية، ترتبط بقيادة موحدة ... وأن هناك خططًا وعمليات وأساليب ستشهدها الساحة لم يألفها الاحتلال والصفويون من قبل". وبحسب المصادر المطلعة، قالت المفكرة:"إن كل فصيل قد حضر مفاجأة جديدة، حيث طرح الجيش الإسلامي خطة - وصفت بأنها عظيمة - كما أعلن جيش المجاهدين ابتكارًا جديدًا، غير معهود على الساحة، بينما تعهدت دولة العراق الإسلامية بتقديم جيش من الاستشهاديين"، ومن جهته"خرج أحد قادة أنصار السنة، من الاجتماع سعيدًا، يهلل، ويكبر".
ولعل هذا التنسيق يفسر إلى حد كبير أيضا فرض البغدادي حظرا على رعاياه يقضي بعدم اتهام الجماعات المجاهدة التي لم تبايع على دولة العراق الإسلامية بـ"الكفر أو الفجور ... اتقوا الله في إخوانكم المجاهدين فلا يسمعوا منكم إلا طيبا ولا يروا منكم إلا خيرا".
وفي المعاينة الثالثة ثمة نوع من العمى الأمريكي، إذ سيلحظ المراقب أن جماعات المقاومة تتحصن بجدار أمني صارم من جهة وعصي على الاختراق من جهة ثانية. فالهجمات المفاجئة والسريعة ضد الطائرات تنبئ، بما لا يدع مجالا للشك، أن استخبارات الخصم عاجزة عن معرفة ما يدور داخل هذه الجماعات، وبالتالي فهي عاجزة فعليا عن تقدير قوتها وقدراتها. وإلا فكيف نفسر توالي سقوط الطائرات بزمن قياسي بكل المعايير ولا يكون لدى الأمريكيين من حل إلا الإعلان عن وقف الطلعات الجوية؟ أليس مثل هذا القرار فضيحة مدوية؟
أما على مستوى الأمن والاستخبارات فبعد اغتيال الزرقاوي لجأت الجماعات الإسلامية إلى نمط جديد من القيادة والعمل وهو نمط المقاتلين والقادة الأشباح، فلا قائد معروف ولا عنصر مألوف ولا مواصفات متوفرة ولا أي خيط يمكن أن يشكل منطلقا للبحث والتقصي، وفي مثل هذه الحالة لم تعد تنفع المكافئات ولا الإعلان عن مغريات مادية أو غير مادية للكشف عن شخصية ليس لها أي توصيف يذكر. بل أن قصف التجمعات السكانية بحجة وجود هذا القائد أو ذاك لم يعد مجديا ولا مبررا بقدر ما سيبدو سلوكا انتقاميا فاضحا إن لم يكن يائسا بنسبة مائة بالمائة.
أما في السياق الثاني فالأمريكيون يعلمون أنهم يواجهون خصما عنيدا إلا أنهم ما زالوا يتمتعون بذات العقلية المتغطرسة التي تأبى الاعتراف بقدرات الخصم وتتعامل معه بدونية وانحطاط لتكون النتيجة بالنهاية وبالا عليهم وعلى