في الرؤية أعاقت وحدة المشروع الجهادي، وبالتالي فالإشكال ليس في إعلان الدولة أو العمل الجماعي بحد ذاته بقدر ما هو إشكال واقع في نوايا وتوجهات مختلف التشكيلات الجهادية، ولا شك أن لكل إشكال سياقاته وأسبابه.
بقيت مسألة على درجة عالية من الأهمية وهي أن الانتقال من مرحلة التنظيم إلى مرحلة الدولة تستدعي التوقف التام عن أي حديث عن التنظيم الذي من المفترض أن الدولة استغرقته بكل مكوناته وهو ما حصل إلى حد كبير. فمنذ الإعلان عن الدولة توقفت مؤسسات التنظيم عن كونها تابعة له وتوقف الإعلام التنظيمي وتوقف الحديث عن أي ذكر لتنظيم القاعدة، ولولا أن الإعلام وبعض القوى السياسية والجماعات الجهادية تصر على حشر الدولة في إطار تنظيم القاعدة لما سمع أحد بأن التنظيم ما زال قائما. فالتنظيم، بهذا المعنى، مرحلة تم اجتيازها بالكامل هو وكل مؤسساته لصالح إطار أوسع وأشمل لا ينفع معه التمسك بالصيغ التنظيمية، لهذا يتحدث الخطاب عن مكاسب تنظيمية على ما يبدو كانت سببا في الإعلان عن الدولة:"فقد تطورت تطورا كبيرا نوعا وكما وكيفا - واتسعت رقعة الأرض التي يمد المجاهدون عليها بساط التحكيم بشرع الله وزاد التلاحم بين المجاهدين و الأمة التي بدأت تعود إلي حالتها الطبيعية كأمة جهاد ودونكم الأعظمية وحيفا والمقدادية والموصل وتل عفر - وغيرهم كثير"، كما أن الدولة ليست مكونة من جماعة واحدة وإلا ما كان الإعلان عنها مبررا أصلا، وليس معقولا أن تنادي الدولة ببيعة ويأتيها العديد من الجماعات والكتائب والأفراد والعشائر والعلماء والفقهاء والمتخصصين والخبراء معلنين الانضواء تحت رايتها وتكون مجرد تعبير عن تنظيم، وكيف يمكن لتنظيم أن يضطلع بأعباء هذا التطور؟
إذن فالدولة، بحسب خطاب البغدادي،"باقية"لأنها"بنيت من أشلاء الشهداء ورويت بدمائهم وبها انعقد سوق الجنة، ولأن ... الجهاد أظهر من الشمس في كبد السماء، ولأنها لم تتلوث بكسب حرام أو منهج مشوه، ولأنها بصدق القادة الذين ضحوا بدمائهم - وصدق الجنود الذين أقاموها بسواعدهم نحسبهم والله حسيبهم، ولأنها وحدة المجاهدين ومأوي المستضعفين، ولأن الإسلام بدأ يعلو ويرتفع وبدأت السحابة تنقشع وبدأ الكفر يندحر وينفضح، ولأنها دعوة المظلوم ودمعة الثكالي وصرخة الأساري وأمل اليتامى، ولأن الكفر بكل ملله ونحله اجتمع علينا وكل صاحب هوي وبدعة خوان جبان بدأ يلمز ويطعن فيها فتيقنا بصدق الهدف وصحة الطريق، ولأنا علي يقين أن الله لن يكسر قلوب الموحدين المستضعفين ولن يشمت فينا القوم الظالمين ولأنها (وعد الله) في محكم تنزيله".
هكذا يقدم البغدادي مبررات ليس إقامة الدولة فحسب وإنما موجبات بقائها، ويخاطب أبناء الدولة قائلا:"أيها المجاهدون إياكم أن توقفوا نهرا أجريتموه بدمائكم، أو تهدموا صرحا رفعتموه بشهاداتكم"، والطريف أن القاعدة التي باشرت الجهاد في العراق وتحملت عبء انطلاقته لم تكن السبب الوحيد في إعلان دولة العراق الإسلامية، والأطرف أنها، بحسب الخطاب، لم تكن سببا في بقائها. ولما يكون من موجبات القول تسمية الأشياء بمسمياتها، فلا أدري كيف يحول الموقف السياسي أو الأيديولجي أو الإعلامي دون