اللهم لا حسد يا إيران. فقد بتنا نرى دولة بالأمس القريب ضبطت أوضاعها وراهنت على العلم والمعرفة واحترمت خياراتها بأن تكون دولة مرهوبة الجانب وتتمتع باحترام ومهابة إقليمية ودولية دون أن تساعدها جامعة إيرانية ولا منظمة مؤتمر إسلامي ولا مجلس أمن دولي ولا علاقات صداقة وتحالف مع هذه القوة الكبرى أو تلك، إنها دولة لا تتوسل الحماية ولا التحالفات ولا المساعدات ولا تربط نهضتها بهذا الموقف الدولي أو ذاك.
سؤال بسيط وحرج: هل يستطيع أحد من الحكام العرب أن يقول لنا من هو العدو الآن؟
من المؤكد أن أحدا لن يجرؤ على القول بأنه أمريكا أو إسرائيل. فالعدو هو ذاك الذي تتعارض، على الأقل، مصالحك القومية والاستراتيجية معه، وليست أمريكا ولا إسرائيل أحدهما بدليل أن جميع الدول العربية توجه سياساتها الخارجية والداخلية نحو هدف واحد لا يقل عن استرضائهما. فلأمريكا الحق في إملاء الشروط التي ترغب بها على العرب ولها الحق في دعم النظم السياسية الديكتاتورية أو قمعها ولها الحق في قبول هذه الديمقراطية أو رفضها ولها الحق في أن تكون فوق القانون الدولي وفوق القانون الجنائي ولها الحق في أن تتساءل لماذا يكرهوننا؟ ولها الحق فيما ليس لأحد فيه حق.
أمريكا التي لا يستطيع أحد من العرب معارضتها ناهيك عن معاداتها أعلنت عن نزاهة الانتخابات الفلسطينية وهي نفسها التي رفضت نتائجها، وهي نفسها التي خصصت 45 مليون دولار لدعم البدائل الديمقراطية لحماس وهي نفسها التي أوقفت المساعدات عن الشعب الفلسطيني الذي انتخب حركة حماس، وهي نفسها التي تطالب بمحاصرتها عربيا ودوليا ولعلها نجحت في ذلك. والحجة أن حماس رفضت الاعتراف بإسرائيل ورفضت الاعتراف بالاتفاقات الموقعة معها ورفضت نزع سلاحها وسلاح الفصائل الفلسطينية. فماذا رد العرب؟
طالبوا حماس بما تطالب به أمريكا وإسرائيل ولم يتساءلوا عن الجدوى من اعترافات سبق أن قدمتها المنظمة على طبق من ذهب ولم يعد يعترف بها أحد؟ كما أنهم لم يتساءلوا عن النتائج التي خلفتها الاعترافات كالتدمير والخراب والكوارث التي انصبت على رأس الشعب الفلسطيني وقضيته التي انتهت من قضية عقدية إنسانية ومظلمة تاريخية إلى ما يساوي بضعة ملايين من الدولارات لا تفي برغبة سفيه في نوادي القمار؟ يحدث هذا والعرب وغيرهم حتى عامة الناس يعرفون أن إسرائيل لم تبق على اتفاق واحد يمكن الاعتراف به. أما لماذا وصلنا إلى هذا الحال فلأن الضعف العربي هو الذي يبقي فلسطين مغتصبة ومحتلة حتى الآن دون أن يراوده أدنى شعور بالمسؤولية تجاه ذاته أرضا وشعبا ودولة ونظام وكرامة وانحطاط وتخلف، إنه ضعف يفاخر ويجاهر بالهوان والوضاعة دون رادع من قيمة أو تاريخ أو قانون أو مصلحة أو مستقبل، ضعف بات مستعدا لقبول أي إملاء حتى لو طلب منه تجويع الشعب الفلسطيني وابتزازه والإعلان عن دعمه بنفس الوقت!
هكذا فحين يغدو العدو القومي والاستراتيجي ضيفا غير مرغوب فيه فلأنه لم يكن كذلك منذ زمن بعيد. ولما لم يكن ثمة عدو فليس من حاجة للتسلح ولا للطموح ولا حتى للعلم، لأن مثل هذه الأمور تعني