حفائر ألقى الجود أفلاذ كبده ... بهنّ، وخطّ المجد فيهنّ مضجعا
وحطّ بهنّ الرّحل تدمى صفاحه ... كما أفرد الحيّ الأجبّ الموقّعا [1]
أجدّك لا تلقى لذا المجد جامعا، ... ولا للمعالي الغرّ بعدك مجمعا
وكان طريق الجود عندك مأمنا، ... فأذأب بالقوم اللّئام وأسبعا
أسيت على آل المسيّب أنّهم ... بدور المعالي غاربات وطلّعا
تفرّوا تفرّي السّجل دقّ أديمه، ... ولمّا يدع فيه الخوارز مرقعا [2]
مضوا بعد ما أبقوا إلى المجد منهجا، ... ركوبا بأعلى غارب الأرض مهيعا
إذا وضعوا فيه أجازوا إلى العلى ... وإن سار فيه النّاس أرذى وأظلعا [3]
ولم يتركوا في نصل شنعاء مضربا، ... ولم يدعوا في قوس علياء منزعا
تغالتهم أيدي المنون علائقا ... من العزّ قد زايلن عادا وتبّعا
أخلّاي ما أبقوا لعيني قرّة، ... ولا زوّدوا إلّا الحنين المرجّعا
وكانوا على الأيّام ملهى ومطربا، ... فقد أصبحوا للقلب مبكى ومجزعا
كأنّ عقارا بعدهم بابليّة ... تخال بها في الرّأس نكباء زعزعا [4]
لها رقصات في الذّوائب والشّوى ... تردّ جبان القوم ندبا مشيّعا [5]
شربت بها شرب الظّميّة صادفت ... قرار عبابيّ من الماء مترعا
سقاكم وما سقي السّحائب غمرة ... من الجود أمرى من نداكم وأمرعا
نشاص الثّريّا كلّما هبّ برقه ... تذبذب يزجي عارضا مترفّعا [6]
حدته من الغورين هوجاء كلّما ... ونى عجرفت فيه فخبّ وأوضعا [7]
(1) الأجب: المقطوع السنام الموقع: الذي تكثر عليه آثار القروح.
(2) السّجل: الدلو العظيمة دق أديمه: تمزق جلده.
(3) أرذى: جعل المطايا رذايا، أي هزيلة أظلع: جعلها تظلع، تعرج.
(4) العقار: الخمر.
(5) الشوى: الأطراف المشيع: الشجاع.
(6) نشاص: ارتفاع.
(7) هوجاء: ريح قوية عجرفت: اشتدت سرعتها.