(الطويل)
توفي أبو الفتح عثمان بن جني النحوي ببغداد مساء الجمعة لليلتين بقيتا من شهر صفر سنة 392، وكانت تربطه بالشريف الرضي مودّة متينة. فصلّى عليه قبل دفنه، ثم رثاه بهذه القصيدة.
ألا يا لقومي للخطوب الطّوارق، ... وللعظم يرمى كلّ يوم بعارق [1]
وللدّهر يعري جانبي من أقاربي، ... ويقطع ما بيني وبين الأصادق
ويوري بقلبي نار وجد شواظها ... تريني اللّيالي ضوءه في مفارقي [2]
وللنّائبات استهدفتني نصالها، ... على شرف يرميننا بالفلائق [3]
وللنّفس قد طارت شعاعا من الجوى ... لفقد الصّفايا وانقطاع العلائق [4]
لها كلّ يوم موقف مع مودّع، ... وملتفت في عقب ماض مفارق
نجوم من الإخوان يرمي بها الرّدى، ... مقاربها فوت العيون الرّوامق
كأنّي، إذا تبّعت آثار غارب ... بعيني، لم أنظر إلى ضوء شارق
ولا دار إلّا سوف يجلى قطينها، ... على نعق غربان الخطوب النّواعق
ويخرج منها بالكرائم حادث، ... ويدخلها صرف الرّدى بالبوائق [5]
كأنّا قذى يرمي به السّيل كلّما ... تطاوح ما بين الرّبى والأبارق [6]
(1) العارق: هو الذي يعرق العظم، يأكل لحمه.
(2) يوري: يشعل.
(3) الفلائق: الأمور المنكرة.
(4) شعاعا: حزنا الجوى: الشوق الشديد.
(5) البوائق: الشرور.
(6) الأبارق: الأرض الغليظة.