(البسيط)
نظمها في رثاء أحد أصدقائه، وقد توفي في شعبان من سنة 381.
صبرت عنك فلم ألفظك من شبع، ... لكن أرى الصّبر أولى بي من الجزع
وإنّ لي عادة في كلّ نازلة ... أن لا تذلّ لها عنقي من الضّرع [1]
لذاك شجّعت قلبي وهو ذو كمد، ... وملت بالدّمع عنّي وهو ذو دفع
ماض على وقعات الدّهر إن طرقت ... غدا بحمل أذاها جدّ مضطلع
وحاسر يتلقّى كلّ نائبة ... تدمي، فيصبر فيها صبر مدّرع
ما غاض دمعي إلّا بعدما انحدرت ... غروبه بين منهلّ، ومنهمع [2]
لولا اندفاع دموع العين غالبة، ... لم يعقب الصّبر دمعا غير مندفع
في اليأس منك سلوّ عنك يضمره، ... وقبل يومك يقوى الحزن بالطّمع
ما كان ذيلك مسدولا على دنس، ... ولا نطاقك معقودا على طمع
ما شئت من لين أخلاق ومكرمة ... ومن عفاف ومن فضل ومن ورع
لله نفرة وجد لست أملكها، ... إذا تذكّرت إخوان الصّفاء معي
يواصل الحزن قلبي كلّما فجعت ... يدي بحبل من الأقران منقطع
ألقى الغمام حواياه على جدث، ... نزلت منه بملقى غير متّسع [3]
في حيث لا طمع يوما لذي طمع ... في أن يعود ولا رجعى لمرتجع
لا عين تنظر إن أرسى بعقوتها ... زور ولا أذن عند النّداء تعي [4]
وهوّن الوجد أنّ الموت مشترك ... فينا، وأنّا لذا الماضي من التّبع
(1) النازلة: الداهية، المصيبة الضرع: التضرع.
(2) منهمل ومنهمع: يسيل بغزارة وبقلّة.
(3) حواياه: ما يحويه من مطر.
(4) العقوة: ما حول الدار والمحلّة الزور: الزائر.