وكم أنا وقّاف على كلّ منزل، ... وكم أنا مرتاح إلى كلّ بارق
أحنّ إلى من لا يحنّ صبابة، ... وما واجد قلبا مشوق وشائق
وعندي من الأحباب كلّ عظيمة ... تزهّد في قرب الضّجيع المعانق
تعطّلت الأحشاء من كلّ أنّة، ... فلا القرب يضنيني ولا البعد شائقي
وما في الغواني من سرور لناظر ... ولا في الخزامى من نسيم لناشق
رمى الله بي من هذه الأرض غيرها، ... وقطّع من هذا الأنام علائقي
فكم فيهم من واعد غير منجز ... وكم فيهم من قائل غير صادق
يظنّون أنّ المجد فيمن له الغنى، ... وأنّ جميع العلم فضل التّشادق
وفاء كأنبوب اليراع لصاحب، ... وغدر كأطراف الرّماح الزّوالق
ولولا ابن موسى لم يكن في زماننا ... معاذ لجان، أو محلّ لطارق [1]
ولا دبّرت سمر القنا كفّ فارس، ... ولا مدّ في رزق المنى باع رازق
تغمّدنا من كلّ أرض بنفحة، ... وأمطرنا من كلّ جوّ بوادق [2]
إذا همّ لم يبعد به زجر زاجر، ... وإن ثار لم يعطف به نعق ناعق
وإن رام أملاك البلاد بفتكة، ... مشى الذّلّ في تيجانها والمناطق
له العزّ والمجد التّليد وراثة، ... وأخذا عن البيض الظّبى والسّوابق [3]
وما زال يلقى كلّ غبراء فخمة ... تغالي بأطراف القنا والعقائق [4]
وما برحت في كلّ عصر سيوفه ... مواضع تيجان الرّجال البطارق [5]
يجرّدها مثل الأقاحي على الطّلى، ... ويغمدها محمرّة كالشّقائق
تبلّغه أقصى الأماني رماحه، ... وآراؤه، والرّأي أمضى مرافق
(1) ابن موسى: كناية عن والد الشاعر معاذ لجان: ملجأ لمستجير، والجاني هو طالب الماء.
(2) الوادق: الغيم الماطر.
(3) التليد: القديم الموروث البيض الظبى: السيوف القاطعة السوابق:
الخيول.
(4) تغالي، من غالى بالسهم: رمى به إلى أقصى غاية العقائق: السيوف.
(5) البطارق: القادة، والبطريق هو قائد الروم.