ومن بارق نهفو إليه، ونفحة ... تذكّرنا أيّامها وشبابها
ولهفي على عهد الشّباب ولمّة ... أطرّت غداة الخيف عنّي غرابها
ومن دار أحباب نبلّ طلولها ... بماء الأماقي أو نحيّي جنابها [1]
ومن رفقة نجديّة بدويّة، ... تفاوضنا أشجانها واكتئابها
ونذكرها الأشواق حتى تحنّها، ... وتعدي بأطراف الحنين ركابها
إذا ما تحدّى الشّوق يوما قلوبنا ... عرضنا له أنفاسنا والتهابها
وملنا على الأكوار طربى، كأنّما ... رأينا العراق، أو نزلنا قبابها [2]
نشاق إلى أوطاننا، وتعوقنا ... زيادات سير ما حسبنا حسابها
وكم ليلة بتنا نكابد هولها، ... ونمزق حصباها، إذا الغمر هابها
وقد نصلت أنضاؤنا من ظلامها، ... نصول بنان الخود تنضو خضابها [3]
وهاجرة تلقي شرار وقودها ... على الرّكب أنعلنا المطيّ ظرابها [4]
إذا ما طلتنا بعد ظمء بمائها، ... وعجّ الظّوامي أوردتنا سرابها
تمنّى الرّفاق الورد والرّيق ناضب، ... فلا ريق إلّا الشّمس تلقي لعابها [5]
إلى أن وقفنا الموقفين وشافهت ... بنا مكّة أعلامها وهضابها
وبتنا بجمع، والمطيّ موقّف، ... نؤمّل أن نلقى منى وحصابها [6]
وطفنا بعاديّ البناء محجّب ... نرى عنده أعمالنا وثوابها
وزرنا رسول الله ثمّ بعيده ... قبور رجال ما سلونا مصابها
(1) الجناب: الفناء.
(2) الأكوار، جمع كور: الرحل، حمل الناقة.
(3) نصل: خرج الأنضاء، جمع نضو: المهزول من الإبل الخود:
الشابة الحسناء وتنضو خضابها: يذهب لونها.
(4) الهاجرة: شدّة الحر الظراب: الحجارة الناتئة.
(5) لعاب الشمس: شيء كأنه ينحدر من السماء عند الهاجرة.
(6) منى: من مناسك الحج.