ليس الفناء بمأمون على أحد، ... ولا البقاء بمقصور على رجل
يبكي الفتى وكلام النّاس يأخذه، ... والدّمع يسرح بين العذر والعذل
وفي الجفون دموع غير فائضة، ... وفي القلوب غرام غير متّصل
تعزّ ما اسطعت، فالدّنيا مفارقة، ... والعمر يعنق، والمغرور في شغل [1]
ولا تشكّ زمانا أنت في يده ... رهن فما لك بالأقدار من قبل
عاد الحمام لأخرى بعد ماضية، ... حتّى سقاك الأسى علّا على نهل
من مات لم يلق من يحيا يلائمه، ... فكن بكلّ مصاب غير محتفل
وكلّ باك على شيء يفارقه ... قسرا، فيقتصّ من ضحك ومن جذل
ما أقرب الوجد من قلب ومن كبد، ... وأبعد الأنس من دار ومن طلل
العقل أبلغ من عزّاك من جزع، ... والصّبر أذهب بالبلوى من الأجل
سقى الإله ترابا ضمّ أعظمها ... مجلجل الودق مجرورا على القلل [2]
ولا يزال على قبر تضمّنها ... برقا يشقّ جيوب العارض الهطل
وكلّما اجتاز ريعان النّسيم به ... لم يوقظ التّرب من مشي على مهل
يا أرض! ما العذر في شخص عصفت به ... بين الأقارب والعوّاد والخول [3]
أردت أن تحجب البيداء طلعته، ... ألم يكن قبل محجوبا عن المقل؟
جسم تفرّد بالأكفان يجعلها ... مذ طلّق العمر أبدالا من الحلل
وغرّة كضياء البدر لامعة، ... صار التّراب بها أولى من الكلل [4]
شرّ اللّباس لباس لا نزوع له، ... والقبر منزل جار غير منتقل
للموت من قعدت عنه ركائبه، ... ومن سرى في ظهور الأينق البزل [5]
(1) يعنق: يطول.
(2) المجلجل: المصوت الودق: المطر.
(3) العوّاد: الذين يعودون المريض، يزورونه الخول: الحشم والخدم.
(4) الكلل: الستور الرقيقة يتوقى بها البعوض.
(5) الأينق: النياق البزل، جمع بازل: الناقة أو الجمل في سن البلوغ.