وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
[إبراهيم: 10'11] . فالأنبياء والرسل كلهم كانوا بشرًا. وأما أن يكون الرسول ملكًا فإن ذلك لا يفي بغرض الرسالة ومصلحتها، إذ البشر لا يستطيع أن يتأسى بالملائكة، ثم تبقى الشبهة كما هي، قال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} . [الأنعام: 9]
وحيث إن المشركين كانوا يعترفون أن إبراهيم وإسماعيل وموسى عليهم السلام كانوا رسلًا وكانوا بشرًا، فإنهم لم يجدوا مجالًا للإصرار على شبهتهم هذه، ولكنهم أبدوا شبهة أخرى قالوا: ألم يجد الله لحمل رسالته إلا هذا اليتيم المسكين؟ ما كان الله ليترك العظماء الكبار من أشراف قريش وثقيف، ويرسل هذا، {َوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} أي من مكة والطائف، قال - تعالى - ردًا عليهم: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} [الزخرف: 31، 32]
يعني أن الوحي والقرآن والنبوة والرسالة رحمة من 0 الله، والله يعلم كيف يقسم رحمته، وأين يضعها، فمن يعطيها، ومن يحرمها، قال - تعالى - {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} . [الأنعام: 124]
فانتقلوا بعد ذلك إلى شبهة أخرى قالوا: إن من يكون رسولًا لملك من ملوك الدنيا يوفر له الملك أسباب الحشمة والجاه من الخدم، والحشم، والضيعة، والمال، والأبهة، والجلال، وغير ذلك، وهو يمشي في موكب من الحرس والمرافقين