فهرس الكتاب
فمن كسر «1» فمصدر، ومن فتح «2» فجمع جرم.
واستعير من الجرم- أي: القطع- جَرَمْتُ صوف الشاة، وتَجَرَّمَ الليل «3» .
والجِرْمُ في الأصل: المجروم، نحو نقض ونفض للمنقوض والمنفوض، وجعل اسما للجسم المجروم، وقولهم: فلان حسن الجرم، أي: اللون، فحقيقته كقولك: حسن السخاء.
وأمّا قولهم: حسن الجرم، أي: الصوت «4» .
فالجرم في الحقيقة إشارة إلى موضع الصوت لا إلى ذات الصوت، ولكن لمّا كان المقصود بوصفه بالحسن هو الصوت فسّر به، كقولك: فلان طيب الحلق، وإنما ذلك إشارة إلى الصوت لا إلى الحلق نفسه.
وقوله عزّ وجل: {لا جَرَمَ} «5» قيل: إنّ «لا» يتناول محذوفا، نحو «لا» في قوله تعالى: {لا أُقْسِمُ} [القيامة/ 1] ، وفي قول الشاعر:
لا وأبيك ابنة العامري «6»
ومعنى جرم: كسب، أو جنى. و: {أَنَّ لَهُمُ النَّارَ} [النحل/ 62] ، في موضع المفعول، كأنه قال: كسب لنفسه النار.
وقيل: جَرَمَ وجَرِمَ بمعنى، لكن خصّ بهذا الموضع «جرم» كما خصّ عمر بالقسم، وإن كان عمر وعمر «7» بمعنى، ومعناه: ليس بجرم أنّ لهم النار، تنبيها أنهم اكتسبوها بما ارتكبوه إشارة إلى قوله تعالى: {وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها} [الجاثية/ 15] .
وقد قيل في ذلك أقوال، أكثرها ليس بمرتضى عند التحقيق.
وعلى ذلك قوله عزّ وجل: {فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} [النحل/ 22] ، {لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ} [النحل/ 23] ، وقال تعالى: {لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ} [النحل/ 109] .
(1) اتفق جميع القراء على كسر الهمزة من إِجْرامِي.
(2) وهي قراءة شاذة.
(3) أي: ذهب. [ ]
(4) قال ابن مالك:
كسب وأرض ذات حرّ جرم ... وعرب والقطع، أمّا الجرم
فالجسم والصوت، وأمّا الجرم ... فالذّنب لا عوملت بالإذناب
(5) الآية: لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ من سورة النحل: رقم (62) .
(6) الشطر لامرئ القيس، وعجزه:
لا يدعي القوم أنّي أفرّ
وهو في ديوانه ص 68.
(7) قال الزمخشري: العمر: الحياة والبقاء، وفيه لغات ثلاث: عمر، وعمر، وعمر، ولا يستعمل في القسم من اللغات الثلاث إلا المفتوحة، لأنها أخف اللغات، ووزنها أخف الأوزان الثلاثية كلها، والقسم كثير الاستعمال عندهم فاختاروا له أخفّها، انظر: أعجب العجب ص 38 - 39.