رجال الإسناد الموصل إلى المتن يتفاوتون من حديث إلى آخر قلة وكثرة، فبعض الأحاديث تُروى بأسانيد قليلة رجالها وبعضها بأسانيد تطول ويكثر الرواة فيها، فالأول يسمى عند أهل العلم بالعالي والثاني يسمى بالنازل.
والمراد بقلة الرواة هنا بالنسبة إلى أيّ سند آخر يرد به ذلك الحديث بعينه بعد كثير.
وقد عظمت رغبة المتأخرين في العلو حتى غلب ذلك على كثير منهم، بحيث أهملوا الاشتغال بما هو أهم منه من الثبوت والفهم والاستنباط.
وإنما كان العلو مرغوبًا فيه لكونه أقرب إلى الصحة وقلة الخطأ؛ لأنه ما راوٍ من رجال الإسناد إلا والخطأ جائز عليه، فكلما كثرت الوسائط وطال السند كثرت مظان التجويز، وكلّما قلَّت قلّت. قاله الحافظ.
وقال ابن الصلاح: طلب العلوّ سنّة ولذلك استحبت الرحلة فيه. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: طلب الإسناد العالي سنّة عمن سلف. وقد روينا أن يحيى بن معين قيل له في مرضه الذي مات فيه: ما تشتهي؟ قال: بيت خالي وسنَد عالي [1] .
وقال الحافظ: فإن كان في النزول مزية ليست في العلو كأن يكون رجاله أوثق منه أو أحفظ أو أفقه أو الاتصال فيه أظهر فلا تردد في أن النزول أولى [2] .
ونقل ابن كثير عن بعض المتكلمين أنه كلما طال الإسناد كان النظر في التراجم والجرح والتعديل أكثر، فيكون الأجر على قدر المشقة.
(1) - علوم الحديث ص 231.
(2) - شرح النخبة ص 123.