ولو قيل: يفصل بين ما إذا كانت التزكية في الراوي مستندة من المزكي إلى اجتهاده إلى النقل عن غيره لكان متجهًا لأنه إن كان الأول فلا يشترط العدد أصلًا؛ لأنه حينئذ يكون بمنزلة الحاكم، وإن كان الثاني فيجري فيه الخلاف، ويتبين أنه أيضًا لا يشترط العدد لأن أصل النقل لا يشترط فيه العدد فكذا ما تفرّع عنه [1] . اهـ.
ثم قال الحافظ في النزهة: وينبغي أن لا يقبل الجرح والتعديل إلا من عدل متيقظ فلا يقبل جرح من أفرط فيه فجرح بما لا يقتضي رد حديث المحدث، كما لا تقبل تزكية من أخذ بمجرد الظاهر فأطلق التزكية.
وقال الذهبي - وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة، ولهذا كان النسائي من مذهبه أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه.
ثم قال الحافظ رحمه الله: وليحذر المتكلم في هذا الفن من التساهل في الجرح والتعديل، فإنه إن عدَّل أحدًا بغير ثبت كان كالمثبت حكمًا ليس بثابت، فيخشى عليه أن يدخل في زمرة من روى حديثًا وهو يظن أنه كذب. وإن جرح بغير تحرز أقدم على الطعن في مسلم بريء ومن ذلك ووسمه بميسم سوء يبقى عليه عاره أبدًا.
والآفة تدخل في هذا تارة من الهوى والغرض الفاسد، وكلام المتقدمين سالم من هذا غالبًا، وتارة من المخالفة في العقائد وهو موجود كثيرًا قديمًا وحديثًا، ولا ينبغي إطلاق الجرح بذلك فقد قدّمنا تحقيق الحال في العمل برواية المبتدعة. اهـ.
(1) - شرح النخبة ص 154.