(( وَصَحْبِهِ ) ): جمع صاحب كركب جمع راكب، مأخوذ من الصحبة، والمختار في تعريف الصحابي ما سيأتي في النخبة أنه من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ومات على الإسلام ولو تخلَّلت ردة.
(( وَسَلِّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا ) ): تسليمًا مصدر مؤكد، والمراد بإيراده إظهاره زيادة التعظيم وإفادة التكثير كما أشار إليه بقوله كثيرًا.
وجمع المصنف بين الصلاة والسلام امتثالًا للأمر بالآية ولم يفرد الصلاة عن السلام أو العكس لتصريح النووي رحمه الله بكراهة ذلك وإن خصها المصنف بمن جعل ذلك ديدنًا لوقوع الإفراد في كلام كثير من الأئمة منهم: الشافعي ومسلم وأبو إسحاق الشيرازي ومنهم النووي نفسه [1] ، وجمع بين الآل والصحب لما للجميع من فضل ولم يفرد الآل مخالفة للروافض ولم يقتصر على الصحب مخالفة للنواصب.
قال المصنف رحمه الله:
(( أمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ التَّصَانِيفَ فِي إصْطِلاحِ أَهْلِ الحَدِيثِ قَدْ كَثُرَتْ وَبُسِطَتْ وَاخْتُصِرَتْ ) )
(( أما بعد ) ): أما حرف شرط. (بعدُ) : قائم مقام الشرط مبني على الضم لقطعه عن الإضافة مع نية المضاف إليه. واختلف في أول من قال: أما بعد، على ثمانية أقوال يجمعها قول الناظم:
جرى الخلف أما بعد من كان بادئًا
بها عد أقوالًا وداود أقرب
ويعقوب أيوب وآدم
وقس وسحبان وكعب ويعرب
(( فَإِنَّ التَّصَانِيفَ. . . ) )إلخ جواب الشرط. والتصانيف جمع تصنيف وأصل التصنيف تمييز بعض الأشياء عن بعض ومنه أخذ تصنيف الكتب؛ لأن المؤلف يجمع بين أنواع الكلام ويجعلها صنفًا صنفًا.
(( فِي إصْطِلاحِ أَهْلِ الحَدِيثِ قَدْ كَثُرَتْ ) ): من قبل علماء الشأن قديمًا وحديثًا، واختلف في أول من صنف في علوم الحديث:
1 -فمنهم من يرى أنه الإمام الشافعي فيما ذكره في ثنايا كتبه
2 -ومنهم من يرى أنه الإمام علي بن المديني لكثرة مؤلفاته في غالب فنون علوم الحديث.
3 -ومنهم من يرى أنه الإمام الترمذي في ثنايا جامعه وفي علله المفردة وعلل الجامع.
ولذا خرج الحافظ ابن حجر من هذا الخلاف بقوله. فمن أول من صنف في ذلك القاضي أبو محمد الراهرمزي في كتابه المحدث الفاصل لكنه لم يستوعب، والحاكم أبو عبد الله لكنه لم يهذّب ولم يرتّب، كذا قال الحافظ [2] . وقال ابن خلدون: هو الذي هذَبه وأظهر محاسنه يعني علوم الحديث [3] وعندي أن الحافظ نظر إلى من جاء بعد الحاكم وابن خلدون نظر إلى من كان قبله.
قال الحافظ: ثم جاء بعدهم الخطيب البغدادي فصنَّف في قوانين الرواية كتابًا سمّاه: الكفاية، وفي آدابها كتابًا سمّاه: الجامع لآداب الشيخ والسامع ... إلخ
ثم جاء الحافظ تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح الشهرزوري فجمع كتابه الشهير (( علوم الحديث ) )، واجتمع في كتابه ما تفرَّق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر ومستدرك عليه ومقتصر ومعارض له ومنتصر [4]
ثم جاء الإمام الحافظ ابن حجر فألَّف كتابه المختصر النافع الماتع العجاب (( نخبة الفكر ) )فاعتنى الناس بها عناية فائقة.
ثم تتابع العلماء على هذه الطريقة وما زالوا يكتبون في هذا العلم ومن أنفع ما كتابه المتأخرون:
1 -قواعد التحديث: للشيخ محمد جمال الدين القاسمي.
2 -توجيه النظر: للشيخ طاهر الجزائري.
(1) - انظر: شرح النووي على مسلم 1/ 44، والأذكار له ص 194، والرسالة للشافعي ص 11، وصحيح مسلم مع شرحه 1/ 44، والتبصرة للشيرازي ص 16، واللمع له ص 2، وفتح المغيث للسخاوي 1/ 9 تحقيقنا.
(2) - شرح النخبة ص 47.
(3) - مقدمة ابن خلدون 1/ 369.
(4) - شرح النخبة ص 50 - 51