فهرس الكتاب

الصفحة 1006 من 2003

لقد رأيت عجبًا في سيرة يوسف عليه السلام من عفة منطقه ولسانه؛ مع إخوانه، ومع العزيز، ومع امرأة العزيز. عفة ندركها عندما نرى ضعف الآخرين في سيطرتهم على ألسنتهم. وإليك بعض الأمثلة التي تدل على عفته وانتصاره على لسانه بينما عجز كثير عن ذلك:

لما أرسل له الملك يطلب منه الخروج من السجن في المرحلة الأولى، قال للرسول: (ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن) . أين العفة؟ لم يقل له ارجع إلى ربك فاسأله عن امرأة العزيز التي راودتني، لم ينطق بها. قال: (ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن) ، من أجل ألا يحرجها، وألا يحرج النسوة، وألا يحرج زوج المرأة. هذه عفة وتعبير عن المراد بأسلوب عجيب.

انتصر على نفسه عندما جاءه إخوانه وقالوا له في قصتهم مع أخيه، قالوا: (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) . هذه القضية تهمة اتهم بها يوسف وهو منها بريء عليه السلام، وذلك عندما كان صغيرا. وقد ذكر المفسرون أقوالا لعله يتأتى المرور عليها في حينها إن شاء الله. والآن وهو عزيز مصر، وهم لا يعلمون أنه يوسف، وبعدما فعلوا به ما فعلوا، وهو يدرك أن كل ما مر به من محن في تاريخه بسببهم؛ من بعد عن أبيه، ومن رمي في البئر، ومن سجن، في قصة امرأة العزيز، ومرة أخرى يكررون تهمة باطلة. ماذا فعل؟ هل ضربهم؟ هل سجنهم؟ هل رد عليهم أمام الملأ؟ لا .. (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ) (يوسف: من الآية77) ، (قال أنتم شر مكانا) . فأسرها في نفسه ولم يبدها لهم. وأي انتصار على النفس هذا الانتصار!

ومن انتصاره على نفسه أيضا وهو تبع لهذا الموضوع، الدقة العجيبة في التعبير عما يريد دون أن يقع في الكذب إطلاقا. وكل منا يحاسب نفسه وينظر مدى قدرته على حفظ لسانه وإبعاده عن الزور. لما قال له إخوانه ولم يعلموا أنه يوسف، (أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين) . ماذا قال؟ قال: (معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) . لم يقل معاذ الله أن نأخذ إلا من سرق. وإنما قال: (معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) ، لأن أخاه لم يسرق، وهو يعرف أن أخاه لم يسرق. فكيف يعبر بتعبير يتخلص من مطلبهم دون أن يقول كلمة زور واحدة، بل قال الحقيقة: معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده. وهم قد وجدوا متاعهم عند بنيامين حقًا، لكنه لم يسرق، وهذا التعبير دقيق، انتصار على النفس والشيطان والهوى، وأعظم ما يكون عندما يكون من رجل في السلطة يستطيع أن ينفذ ما يريد ويقول ما يشاء، وقد لا يحاسبه أحد في الدنيا، ومع ذلك يحاسب يوسف عليه السلام نفسه قبل أن يحاسبه الناس.

ومن انتصار عليه السلام على نفسه، عفوه عن إخوانه. هل تريد، أن تعرف مقدار هذا الانتصار؟ لنتأمل أحوالنا، قد يسيء إلينا بعض الناس، إساءات قد نكون سببا فيها، أو قد نشارك في نسبة من سبب تلك الإساءة، ومع ذلك نعجز عن العفو أو الصفح! بل أعجب من هذا إذا عفونا أو صفحنا أتبعنا ذلك بالإساءة لهم عن طريق المن عليهم، بعفونا عنهم! مع أن ما يمر بنا قد لا يعادل جزءا يسيرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت