فهرس الكتاب

الصفحة 1022 من 2003

وما أكثر هؤلاء المترددين الزائغين المتنكبين عن صراط الله من الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ممن يتظاهرون ويظهرون أمام الناظرين على غير حقيقتهم. يلبسون أردية الدين والإيمان ويتدثرون به وهم له كارهون. فيأبى الله إلا أن يكشف زيفهم ويظهرهم على حقيقتهم في الحياة الدنيا قبل يوم القيامة يوم تبلى السرائر وتكشف الضمائر ويحصل ما في الصدور.

ولقد ضرب الله لنا نموذجًا لهؤلاء الناكثين الناكصين بقصة رجل آتاه الله آياته، وأسبغ عليه فضله ووهب له علمًا، ومنحه الفرصة كاملة للهدى والارتقاء والاتصال بخالق الأرض والسماء.. ولكنه مع ذلك آثر ما يفنى على ما يبقى وهبط من سموه وارتفاعه إلى الأوحال والطين. تأمل في قوله سبحانه وتعالى وهو يأمر رسول الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بتلاوة ذلك النموذج بقوله الكريم: ? وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاء مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ ? [الأعراف:175-177] فقد شبه سبحانه من آتاه كتابه ، وعلمه العلم الذي منع منه غيره ، فترك العمل واتبع هواه، وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته والمخلوق على الخالق، بالكلب الذي هو من أفسد الحيوانات، وأوضعها قدرًا، وأخسها نفسًا. وهمته لا تتعدى بطنه. وأشدها شرهًا وحرصًا، ومن حرصه أن لا يمشي إلا وأنفه في الأرض يتشمم ويستروح حرصًا وشرهًا ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزاء جسمه. وهو من أمهن الحيوانات وأحملها للهوان، وأرضاها بالدنايا، والجيف القذرة أحب إليه من اللحم، والعذرة أحب إليه من الحلوى. وإذا ظفر بميتة تكفي مئة كلب لم يدع كلبًا يتناول معه منها شيئًا إلا نبح عليه وقهره لحرصه وبخله وشرهه ومن عجيب أمره وحرصه: أنه إذا رأى فقيرًا ذا هيئة رثة وثياب دنيئة، وحال مزرية، نبحه وحمل عليه ، كأنه يتصور مشاركته له ومنازعته في قوته، وإذا رأى

إنسانًا ذا هيئة حسنة وثياب جميلة ورياسة، وضع له خطمه بالأرض، وخضع له ولم يرفع إليه رأسه وفي تشبيه من آثر الدنيا وعاجلها على الله والدار الآخرة مع وفور علمه ومعرفته، بالكلب الذي هو في حال لهثان دائم سواء حملت عليه بالرجم والطرد أو تركته فاللهث لا يفارقه يلهث قائمًا وقاعدًا وماشيًا وواقفًا، آيات وعبر يبينها الله لنا وما يعقلها إلا العالمون.

فالذي تجرد عن الهدى وانسلخ من الإيمان والتقى شبيه بالكلب ، قال الحسن: هو المنافق لا يثبت على الحق، دُعِيَ أو لم يُدْعَ ، وُعِظ أولم يوعظ، كالكلب يلهث طردًا وتركًا.

وفي هذا المثل الذي ضربه الله لنا في كتابه حكم ودروس ذكرها العلماء رحمهم الله.

منها: قوله سبحانه? آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ? فالعلم هو محض فضل الله على الإنسان وهو نعمة أنعم الله بها عليه لكنه لم يشكر الله ويعرف قدر النعمة قال تعالى: ? فَانسَلَخَ مِنْهَا ? أي خرج منها، انسلخ كما تنسلخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت