فهرس الكتاب

الصفحة 1023 من 2003

الحية من جلدها ولم يقل فسلخناه منها لأنه هو المتسبب لذلك الانسلاخ باتباع هواه وشهواته لدناءته وحقارته.

ومنها قوله سبحانه: ? فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ? يعني أدركه ولحقه. وكان محفوظًا محروسًا بآيات الله محمي الجانب بها من الشيطان لا ينال منه شيئًا إلا على غرة وخطفة، فلما انسلخ من آيات الله ظفر به الشيطان كما يظفر الأسد بفريسته ? فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ? العاملين بخلاف علمهم، الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافه كعلماء السوء.

ومنها قوله تعالى: ? وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ? فأخبر أن الرفعة عنده ليست بمجرد العلم. فإن هذا الذي ضرب به المثل كان أعلم أهل زمانه ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه بها، ونعوذ بالله من علم لا ينفع. وإنما الرفعة عند الله تحصل باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاة الله.

? وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ? ركن إلى الدنيا ولصق بها واتبع سفاسف الأمور ومسافلها ، وترك معاليها ولقد ختمت الآية بقوله عز وجل: ? سَاء مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ ? [الأعراف:177] .

وهل أسوأ من هذا المثل مثلًا؟ وهل هناك أسوأ من الانسلاخ والتعري من الهدى، وهل هناك أسوأ من اللصوق بالأرض واتباع الهوى؟ وهل يظلم الإنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا؟ من يعريها ويجردها الغطاء الواقي والدرع الحامي ، ويدعها غرضًا للشيطان يلازمها ويركبها ، ويهبط بها إلى عالم الحيوان، الهابط اللاصق بالأرض الحائر القلق اللاهث وراء الدنيا لهاث الكلب أبدًا.

ما أكثر الذين يعطون علم دين الله ثم لا يهتدون به ولا يرفعون به رأسًا، وإنما يتخذون ذلك وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه. واتباع الهوى به كم رأينا وسمعنا من عالم يعلم حقيقة دين الله وحكمه ثم يزيغ عنها ويحرفها ويعلن خلافها.. ويضلل الأمة لهثًا وراء منصب زائف أو مال زائل.

كم الذين يتنازلون ويرتدون عن دينهم وإيمانهم وقيمهم وأخلاقهم ممن يلهثون وراء الحطام ويسقطون في المستنقع الآسن ثم لا يتوبون. ولا هم يذكرون، فيخرجون من الحياة خائبين خاسرين. قد ختم لهم بسوء وعادوا إلى سوء المنقلب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

اللهم اعصمنا وثبت أقدامنا وأفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين. واجعل خير أعمارنا أواخرها وخير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا يا رب العالمين.

الخطبة الثانية:

جعل الله الطريق إلى النصر والعزة هو طريق الجهاد والقتال والاستشهاد نطقت بذلك الآيات المحكمات والأحاديث الصحاح التي لن يستطيع الجبناء من البشر أن يخفوها أو يلغوها مهما فعلوا، ومهما سلكوا من أساليب ورسموا من خطط لإذلال الأمة واستعبادها والحيلولة بينها وبين مصدر قوتها وعزتها والمتمثلة في الإيمان والجهاد، قال الله عز وجل في بيان ذلك: ? كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت