فهرس الكتاب

الصفحة 1027 من 2003

هناك من يرى أن المشكلة اقتصادية والصراع إنما هو اقتصادي فأخذوا بالفكر الشيوعي والاشتراكية التي أضفوا عليها صفة العلمية. وكانت النتيجة تكريسًا للفقر والتخلف والحرمان كما هو معلوم للجميع.

هناك من يرى أن لا خلاص للأمة إلا بأن تنسلخ من هويتها وترتبط بأوربا وتأخذ بفكرها ومناهجها من الخير والشر والحق والباطل، في الحلو والمر وفي كل شيء ، وهناك من الأفكار والتصورات التي أخذت بها الأمة في القرن الماضي فلم تجن من ذلك إلاّ الحزن المبين والضياع والتيه الذي لا نهاية له.

أيها المؤمنون: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمنا كيف تبنى الأمم وتسود ، وكيف تقوى وتنتصر وكيف تسمو وتسعد، وترقى في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، ولن تفلح الأمة ولن تخرج من تيهها وضعفها وهوانها إلا إذا تعرفت على طريقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسارت عليه في بناء النفوس وفي بناء المجتمعات والشعوب على حد سواء ألم يكن العرب بل والعالم قبل بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - يعاني من الأمراض المستعصية التي نشكوا منها الآن.

ظلم وظلام، فساد وطغيان كان يملأ الأرض قبل بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولقد ذكر الله المؤمنين بفضله ونعمته عليهم حيث أنقذهم مما كانوا فيه في جاهليتهم، أنقذهم ببعثة عبده ورسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - حيث قال تعالى: ?... وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ... ? [آل عمران:103] .

فكيف بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوته في ذلك الليل الغاسق والظلام الدامس الذي كان يلف البشرية بمجموعها ، لقد بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين في مكة بتأسيس الإيمان واليقين وغرس عقيدة التوحيد، وتثبيتها بإقامة الأدلة والبراهين القاطعة الساطعة، أدلة تكوينية مبثوثة في عناصر الكون ومظاهر الطبيعة الناطقة بأن الله ليس له شريك.

وأدلة تنزيلية، تنزل بها الوحي لهداية العقول وتنوير القلوب، وتحصين هذه العقيدة الراسخة التي هي المقصود الأعظم والغاية العظمى لجميع رسالات الله تعالى إلى أهل الأرض كما قال سبحانه: ? وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ...? [ النحل:36] ،?وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ? [الأنبياء: 25] .

لقد كانت هذه المرحلة مرحلة بناء الإيمان واليقين في النفس الإنسانية ، أطول مراحل سير الرسالة الخالدة زمنًا، كانت حافلة مليئة بالحجج الفكرية والعقلية، وأبلغها في إيقاظ الفطرة البشرية، كان الجهاد فيها جهادًا بالكلمة ، بالقرآن الكريم في دلائل آياته على عظمة الكون وخالقه ومدبره سبحانه وكان سلاح الجهاد في تلك المرحلة الصبر الجميل والتحمل الكبير ، يقول الله عز وجل في جهاد هذه المرحلة مخاطبًا خاتم أنبيائه ورسله: ? وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت