فهرس الكتاب

الصفحة 1028 من 2003

جِهَادًا كَبِيرًا ? [الفرقان: 51-52] ، ويالها من مهمة ما أعظمها، ففي هذه الآية من الحث والتهييج للرسول والمؤمنين ما فيها.. فإن الكفار قديمًا وحديثًا يجدّون ويجتهدون ، في حرب الإسلام وتهوين شأنه، وكأن الآية تقول للرسول - صلى الله عليه وسلم - قابل صدهم وإعراضهم وعنادهم بجدك واجتهادك ، واستمسك بالوحي الذي أنزل عليك وعض عليه بالنواجذ فإنك بذلك تغلبهم وتعلوهم: ?... وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ?، وجعله جهادًا كبيرًا لما يحتمل فيه الرسول من المشاق العظام والمهام الجسام، لأنه - صلى الله عليه وسلم - نذير لجميع القرى ، والأمم وذلك لعموم رسالته لأن الله لو بعث في كل قرية نذيرًا، لوجبت على كل نذير مجاهدة قريته، فاجتمعت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك المجاهدات كلها، فكبر جهاده وعظم - صلى الله عليه وسلم - .

وكما اكتمل بناء العقيدة الإيمانية والتوحيدية في النفوس المؤمنة في هذه المرحلة وظهر شامخًا راسخ الدعائم والأركان، ثابت القواعد لا تهزه أعاصير الحياة ولا تقف أمامه ترهات الكفر والإلحاد، ولا تؤثر فيه سخافات الوثنية وأباطيل الشرك والجهالات.

لقد غرس محمد - صلى الله عليه وسلم - في أفئدة وقلوب أصحابه الإيمان بالله واليوم الآخر، كانوا على يقين جازم لا يخالطه ريب أنهم سيقومون لرب العالمين، يحاسبون بأعمالهم صغيرها وكبيرها، فإما إلى نعيم مقيم دائم لا ينتهي ولا ينقطع وإما إلى عذاب خالد شديد في نار وقودها الناس والحجارة فكانوا بين الخوف والرجاء، يرجون رحمة ربهم ويخافون عذابه ، كانوا موقنين أن الدنيا بعذابها ونعيمها لا تساوي جناح بعوضة في جنب الآخرة، كانت هذه العقيدة تهون عليهم متاعب الدنيا ومشاقها ومرارتها، حتى لم يكونوا يكترثون لها.

إن الإيمان العميق إذا خالطت بشاشته القلوب يزن الجبال ولا يطيش.. وهذا ما ربى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صحابته الكرام. إنهم لما آمنوا بالله العزيز الحميد وصدقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تصديقًا جازمًا لا يخالطه شك ولا ريب .. صنعوا العجائب وحققوا وأنجزوا.

لما اكتمل بناء العقيدة في ضمائر وقلوب المؤمنين في مكة وهم قلة والمشركون واقفون في طريق الدعوة عقبه كأْداء يصدون عن سبيل الله ويتوعدون من يؤمن ، وينزلون به ألوانًا من العذاب واستمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشر عامًا يدعوا إلى ربه ويجاهد ويصبر ويصابر، حتى أذن الله للنور أن ينتشر فيمّم النبي - صلى الله عليه وسلم - وجهه شطر قبائل العرب ووفودهم في موسم الحج يعرض عليهم دعوة الله ويطلب منهم النصرة والحماية، فوجد هذا النور والخير طريقه إلى قلوب الأوس والخزرج من سكان المدينة وسرعان ما انتشر الخير وسرى النور في المدينة كما يسري نور البدر في ظلمات الليل فيبددها، والماء العذب في الأرض الجدبة فينبتها، واحتضنت المدينة الإسلام والمسلمين كما تحتضن الأم الرؤوم أولادها ، ووجد المسلمون في الأنصار خير إخوان، وأعوانًا عرفتهم الدنيا في تاريخها الطويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت