لقد انتقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة إلى طور جديد، طور يبني فيه الأسس الراسخة ويقيم الدعائم الثابتة لبناء المجتمع الإسلامي وإقامة الدولة الإسلامية، التي تطبق أحكام الله وتقيم شعائر الدين وتبلغ الإسلام رحمة للعالمين ، فما هي يا ترى تلك الأسس التي أقام عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة ، هذا ما سيتم تبيينه في خطب لاحقة إن شاء الله.
الخطبة الثانية:
أيها المؤمنون: لا تزال الدماء تسفك والأنفس تزهق والبيوت تدمر والاقتصاد ينهار، واليهود يسرحون ويمرحون على مرأى ومسمع من العالم، كل همّهم هو أن توقف الانتفاضة الشعبية الجهادية.. والشعب الأعزل يواجه الطائرات بالمقالع والمدافع والدبابات بالحجر.. والطائرات العربية والصواريخ العربية والأموال العربية، مشلولة بالذل والصغار، قادة الأمة غير جادين في نصرة القضية الفلسطينية منذ قيام دولة إسرائيل وحتى الآن، لم توجد إسرائيل أصلًا إلا بحماية الحكام الخونة لها وحراستهم لأمتها وحدودها، ومحاربتهم لكل المجاهدين والفدائيين طوال الخمسين عامًا الماضية .
تعلقت آمال الشعوب وتطلعت إلى القادة العرب الذين اجتمعوا أخيرًا وتفرقوا دون أي موقف مشرف يذكر.. لأنهم ليسوا أهلًا للقيام بشرف الجهاد وتحرير فلسطين.
أيها الناس إن النصر لا ينزل على الجبناء القاعدين ، إن النصر له شروط وله مقدمات.. إذا توفرت في الأمة وأخذ بها الزعماء والقادة فإن النصر حليفها لا محالة. أما إذا لم نأخذ بها ولم نسارع في تطبيقها فإن المأساة ستستمر والمحن ستزداد والبلاء سيضاعف، لا يذهبن الوهم بنا على أن نقول: مهما كان فينا من عيوب فإن أعداءنا كفار وظلمة ومعادون ومستكبرون عن الحق وسوف ينصرنا الله عليهم.. كلا.. لقد أرانا الله تبارك وتعالى شيئًا من مظاهر الانكسار والضعف والهزيمة في صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد بسبب مخالفتهم لأمر واحد من أوامر الرسول مع أنهم كانوا يواجهون أعتى وأكفر خلق الله يومئذ.
أيها المؤمنون: إن من شروط النصر ومقدماته:
أن تقلع الأمة عن كبائر الإثم والفواحش، أما أن تظل أمورنا على ما هي عليه ، ترك للفرائض والواجبات وانتهاك للحرمات، بارات للخمر وتصنيع له ، أماكن الدعارة والقمار، أوكار للفساد، وتحطيم الأخلاق، إباحة الربا ومحاربة الدين.. هذه الحالة الاستثنائية التي تعيشها الأمة لا بد أن تختفي من حياتها فذلك شرط من شروط النصر ومقدمة ضرورية له.
من شروط النصر الاستعداد والإعداد ورفع وتيرة الأمة بكاملها وتدريبها وإعدادها للتضحية والجهاد فهؤلاء اليهود أعداء الله يأخذون بكل أسباب القوة المادية ، تصنيع للأسلحة تدريب وتسليح لليهود المدنيين ، فلماذا لا يأخذ حكامنا بأسباب النصر في جانب إعداد التصنيع ، أين المصانع العسكرية ،