انظر إلى الوصف الرباني لأهل الأيمان الصابرين { الذين إذا أصابتهم مصيبة قالو إنا لله وإنا إليه راجعون } لم يلتفتوا إلى شرق ولا إلى غرب إذا حلت بهم النكبات ، لم ينظروا إلى قوى الأرض ولكن التجأوا قوة رب الأرباب ، وملك الملوك ، وجبار السماوات والأرض سبحانه وتعالى .
{ الذين إذا أصابتهم مصيبة } لم يشكوا ، لم يرتابوا ، لم يغيروا ، لم يبدلوا ، لم ينافقوا ، لم يداهنوا ، لم يجاملوا في دين الله عز وجل ، وإنما ظلت حبالهم موصولة بربهم ، ويقينهم راسخ في دينهم ، وثباتهم على كتاب ربهم ، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، يقتفون في ذلك آثار الرسل والانبياء { حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } .
إنها المعادله الإيمانية الآيات القرآنية ، والسنة الربانية التي لا تتخلف ولاتتغير أبدًا { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .
وانظر إلى قصة يوسف - عليه السلام - لترى هذه المعادلة الايمانية واضحا ًفي قصة فردية ، فإذا بيوسف - عليه السلام - من غيابة الجب وظلمته ، إلى رحابة الأرض وسعتها ، ثم إذا به من ذل الأسر إلى عزّ القصر ، ثم بعد ذلك من ظلمة السجن إلى سدة الحكم .. ثبات وصبر وارتباط بالله ، بإذنه - عزوجل - يفرج كل كرب ، وينفس كل هم ، ويزيل كل ضائقة
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكنت أظنها لاتفرج
وانظر إلى المثل الآخر في قصة جماعية ، قصّها الله - جل وعلا - علينا من قصص الأمم الغابرة ، وهي من أكثر القصص القرآنية تكررًا في كتاب الله عز وجل .. قصة فرعون ، وهي متشعبة متعددة الجوانب متكاثرة في أسلوب عرضها في كتاب الله سبحانه وتعالى ، ومن ذلك العرض الذي جاء إيجازه في بعض صور القران قوله جل وعلا: { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } .
هذه إرادة الله ولا راد لقضاءه وإرادته سبحانه وتعالى { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} .
والله - سبحانه وتعالى - قد ذكر لنا من سيرة المصطفي صلى الله عليه وسلم أمثلة كثيرة ، غير أن منها مثلًا فريدًا ظاهرًا في هذا الأمر ، في صبر أهل الإيمان ويقينهم بالله ، وما يترتب على ذلك من النصر والتمكين لهم بإذن الله ، وتتجلي هذه الصورة في أهل النفاق .. في ضعف يقينهم ، وزوال