فهرس الكتاب

الصفحة 1058 من 2003

أيمانهم ، وفي حرصهم على دنياهم ، وفي تخذيلهم للصفوف ، وتفتيتهم لعرى الروابط في صفوف أهل الأيمان .. ذلكم هو الوصف القرآني لما كان من شأن الأحزاب الذين تألبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحاطوا بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم ، وليس أبلغ من وصف القرآن { إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا } .

اجتمع عليهم شدة الخوف ، مع شدة الجوع ، مع شدة البرد ، ولم يكن هناك بارقة أمل ، ولم يكن هناك في نظر أهل الارض وأهل النظرات المادية مهربًا ولا منفذًا ! إنما كان الفناء الماحق والهلاك المتحقق ، وزلزلوا زلزالًا شديدًا .

ثم يأتي وصف القرآن لأهل النفاق بعد إن مرت بهم هذه الظروف ، فيقول جل وعلا: { وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا }

كان أحدهم يقول:"إن محمد صلى الله عليه وسلم يعدكم بكنوز كسرى وقيصر ، وإن أحدكم لايستطيع إن يمضي خطوات ليقضي حاجته !".

{ وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا .. } .

أما لكم بهذه القوى المجتمعة والمؤامرات العظيمة والأسلحة الفتاكة والخطط المحكمة !

{وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا }

جبنًا وخوفًا وهلعًا .. كفرًا ونفاقًا ، ولذلك جاء هذا الوصف القرآني يعري صورتهم ، ويكشف حقيقتهم ، ويضرب المثل بأشياعهم ونظرائهم في كل مجتمع إسلامي وفي كل زمان ومكان .. { وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا 14} وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا .

ذلك وصف أهل النفاق ، فانظر إلى وصف أهل الصبر والإيمان واليقين ، الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ظل هذه المحنة العصيبة ، وفي ظل محاصرة هذه القوى الرهيبة .. { وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا }

هذه مواقف المؤمنين .. هذه مواقف الصابرين .. هذه مواقف أهل اليقين ، وهذه كلمات أهل الثبات ، الذين لا يشكون لحظة في وعد الله ، ولا يعتريهم التزعزع أوالتردد في دين الله عز وجل ، يظل الواحد منهم ثابتًا واقفًا راسخًا لا يتزعزع .. فعلى أي شئ انتهي الأمر ؟ وبأي شئ انجلى الموقف ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت