فهرس الكتاب

الصفحة 1082 من 2003

يتكررُ في فتراتٍ من التاريخ، لمن تأملَ انسياح الإسلامِ في الأرضِ وغلبة المسلمين، أو انحسار مدَّ الإسلام وهيمنة غير المسلمين، وإذا كانت أكثريةُ المسلمين تلتزمُ بالإسلامِ في حالةِ غلبته، فإنَّ القلةَ من المسلمينَ من يتمالكُ نفسهُ، ويلتزمُ بمقتضياتِ العقيدة والدين، ويصبرُ على اللأواءِ والمحن، في حالِ غلبةِ أعداءِ الدين، إذ من الناسِ من يُصابُ بالهلعِ وفقدانَ الثقةِ بنصرةِ هذا الدين، ويُصابَ آخرون بالإحباطِ واليأس والقنوطِ من رحمة الله، والتسخطِ لأقدارِ الله، وتلك أدواءٌ قاتلة، وهي منافيةً لحقيقةِ التوحيد، من الصبر واليقين، والتقوى والتوكل على رب العالمين.

إخوةَ الإيمان: وهذا الشعورُ قديم، وهذهِ الفتنةُ غير مستحدثة، وهذا الهاجسُ تحدثَ عنه العلماءَ السابقون، وذلك حين أصيبت الأمة، وكادَ اليأسُ يلفُّ بعضِ المنتسبين للإسلام .

يقولُ شيخُ الإسلام ابن تيميه- رحمه الله-، (وهُنا نكتةٌ نافعة ، وهي أنَّ الإنسانَ قد يسمعُ ويرى ما يصيبُ كثيرًا من أهل لإيمان والإسلام في الدنيا في المصائب، وما يصيبُ كثيرًا من الكفَّار والفجَّار في الدنيا، من الرياسةِ والمال وغير ذلك، فيعتقدُ أنَّ النعيمَ في الدنيا لا يكونُ إلاَّ لأهلِ الكُفر والفجور، وأنَّ المؤمنين ليس لهم في الدنيا ما يتنعمون به إلا قليلًا، وكذلك قد يعتقدُ أنَّ العزةَ والنُّصرةَ قد تستقرُ للكفار والمنافقين على المؤمنين، وإذا سمع ما جاءَ في القرآن من أنَّ العزةَ لله ولرسولهِ وللمؤمنين، وأنَّ العاقبةَ للتقوى، وقولَ الله تعالى:(( وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) ) (الصافات:173) وهو ممن يصدقُ بالقرآن حملَ هذه الآيات على الدارِ الآخرة فقط، وقال: أمَّا في الدنيا فما نرى بأعيننا إلاَّ أنَّ الكفارَ والمنافقين فيها يظهرون ويغلبون المؤمنين... الخ [1] .

وهذا تلميذهُ الشيخُ ابن القيم- رحمه الله-، يعرضُ أمامَ ناظريك أيَّها المسلمُ الحكمةُ من وراءِ تمكين أهلِّ الكُفر والفسوقِ والعصيان فيقول:( وكان في تمكينِ أهلُ الكفرِ والفسوق والعصيان، من ذلك إيصالُ أولياءِ الله إلى الكمالِ الذي يحصل لهم بمعاداةِ هؤلاءِ وجهادهم، والإنكارِ عليهم والموالاة فيه والمعاداة فيه، وبذلُ نفوسهم وأموالهم وقواهم له، فإنَّ تمام العبوديةِ لا يحصلُ إلاَّ بالمحبةِ الصادقة، وإنَّما تكونُ المحبةُ صادقةً إذا بذلَ فيها المُحبُّ ما يملكُهُ من مالٍ ورياسةٍ وقوةٍ في مرضاة محبوبهِ والتقربُ إليه، فإذا بذلَ لهُ رُوحهُ كان ذلك أعلى درجاتِ المحبة، ومن المعلومِ أنَّ من لوازمِ ذلك أن يخلقَ ذواتًا وأسبابًا وأعمالا، وأخلاقًا وطبائعَ تقتضي معاداةُ من يحبه.

إلى أن يقول: فلولا خلقِ الأضدادِ، وتسليطِ أعدائهِ وامتحانِ أوليائه لم يستخرج خاص العبوديةِ من عبيده الذين هم عبيدَه، ولم يحصل لهم عبوديةُ الموالاة فيه والمعاداة فيه، والحبُّ فيه والبغضُ فيه، والعطاءُ له والمنعُ له) [2] .

أيَّها المؤمنون: نستبطئُ النصر أحيانًا ونحنُ بعدُ لم نُقدمُ للنصرِ ثمنا، ونستعجلُ النصرَ وقد لا يكونُ حانَ وقته بعد، ونتطلعُ إلى تغيرٍ مفاجئٍ في العالم، ونحنُ بعدُ لم نغيرِّ ما بأنفسنا، وبالجملةِ فهُناك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت