فهرس الكتاب

الصفحة 1083 من 2003

معوقاتٌ للنصرِ، وأسبابٌ لتأخره، يعرفها العلماء، ويجهلها البسطاء، وأسوقُ لكم طرفًا منها، استجمعها صاحبُ الظلال- يرحمه الله- فاعقلوها وقارنوا واقعَ المسلمين بها،

يقولُ سيد قطب- رحمهُ الله-: ( والنصرُ قد يُبطئُ لأنَّ بنيةَ الأمةِ المؤمنة لم ينضجُ بعد نضجها، ولم يتمُّ بعد تمامها، ولم تحشدُ بعد طاقاتها، ولم تتحفزَ كل خليةٍ وتتجمع، لتعرف أقصى المد خور فيهما من قوى واستعدادات، فلو نالت النصرُ حينئذٍ لفقدته وشيكا، لعدمِ قُدرتهما على حمايتهِ طويلًا .

وقد يبطئُ النصرُ حتى تبذلَ الأمةُ المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة، وآخرُ ما تملكهُ من رصيدٍ، فلا تستبقي عزيزًا ولا غاليا، إلاَّ وتبذلهُ هينًا رخيصًا في سبيل الله.

وقد يبطئُ النصرُ حتى تجربُ الأمةُ المؤمنة آخر قواها، فتُدرك أنَّ هذه القوى وحدها بدون سندٍ من الله لا تكفلُ النصر، إنَّما يتنزلُ النصرُ من عند الله عندما تبذل آخر ما في طوقها، ثُمَّ تكلُ الأمر بعدها إلى الله.

وقد يبطئُ النصرُ لأنَّ البيئةَ لا تصلحُ بعدُ لاستقبالِ الحقِّ والخيرِ، والعدلَ الذي تمثلهُ الأمةُ المؤمنة، فلو انتصرت حينئذٍ للقيت معارضةً من البيئةِ لا يستقرُ معها قرار، فيظلُ الصراعُ قائمًا حتى تتهيأ النفوسُ من حوله لاستقبالِ الحقَّ الظافر لاستبقائه، من أجلِّ هذا كله، ومن أجل غيرهِ مما يعلمهُ الله، قد يبطىءُ النصر، فتتضاعفُ التضحيات، وتتضاعفُ الآلامُ، مع دفاعِ الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية، وللنصرِ تكاليفهُ وأعباؤهُ حين يأذن اللهُ به بعد استيفائه أسبابه، وأداءِ ثمنه، وتهيؤ الجوِّ حوله لاستقباله واستبقائه.

وقد يبطئُ النصرُ لتزيدَ الأمةُ المؤمنة صلتها بالله، وهي تُعاني وتتألم وتبذل، ولا تجدُ لها سندًا إلاَّ الله، ولا متوجهًا إلاَّ إليهِ وحده في الضراء، وهذهِ الصلةُ هي الضمانةُ الأولى لاستقامتها على النهجِ بعد النصر، عندما يأذنِ به الله، فلا تطغى ولا تنحرف عن الحقِّ والعدل، والخيرَ الذي نصرها الله به.

وقد يُبطئُ النصرُ لأنَّ الأمةَ المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها، وتضحياتها لله ولدعوته، فهي تُقاتلُ لمغنمٍ تُحققه، أو تُقاتلُ حميَّةً لذاتها، أو تُقاتلُ شجاعةً أمام أعدائها، واللهُ يريدُ أن يكون الجهادُ له وحدهُ وفي سبيله، بريئًا من المشاعر الأُخرى التي تلابسهُ، وقد سُئل رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم-: (( الرجلُ يُقاتلُ حميةً، والرجلُ يُقاتلُ شجاعةً، والرجلُ يُقاتلُ ليرى فأيَّها في سبيل الله؟ فقال:"من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله ) ) [3] "

كما قد يبطئُ النصرُ، لأنَّ في الشرِّ الذي تكافحهُ الأمة المؤمنة بقيةً من خيرٍ يريد

للهُ أنَّ يجردَ الشرَّ منها ليُمحِّص خالصًا، ويذهبَ وحدهُ هالكًا، لا تتلبسُ بهِ ذرةٌ من خيرٍ تذهبُ في الغمار.

وقد يبطئُ النصرُ لأنَّ الباطلَ الذي تحاربهُ الأمةُ المؤمنة لم ينكشف زيفهُ للناسِ تمامًا، فلو غلبهُ المؤمنون حينئذٍ، فقد يجدُ لهُ أنصارًا من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بعدُ بفسادهِ وضرورةَ زواله، فتظلَ له جذورٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت