فهرس الكتاب

الصفحة 1084 من 2003

في نفوسِ الأبرياءِ الذين لم تنكشف لهمُ الحقيقة، فشاءَ اللهُ أن يُبقى الباطلُ حتى يتكشفَ عاريًا للناس، ويذهبَ غيرَ مأسوفٍ عليهِ من ذي بقية . [4]

أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: (( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ) ) (الرعد: من الآية11) .

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.

الخطبة الثانية

الحمد لله ربِّ العالمين ، (( لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ) (القصص: من الآية70) وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسولهُ إمامَ المتقين، اللهمَّ صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين، وأرض اللهمَّ عن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أمَّا بعدُ إخوة الإسلام: فينبغي ألاَّ يخامرَ المسلمُ شلكٌ بنُصرةِ الله لهذا الدين، حتى وإن لم يرهُ بأمِّ عينه، وتحققَ لأجيالٍ بعده، فحسبهُ أن يكونَ جنديًا صادقًا في سبيلِ خدمةِ هذا الدين، وحسبهُ أن يموتَ يوم يموت، وهو يُحسنُ الظنَّ بربهِ، ويستشعرُ بمسئوليتهِ تجاهَ دينه، قد حررَ عبوديتهُ لله.

أمَّا النصرُ فلابُدَّ من اكتمال أسبابهِ، وزالِ معوقاته، واللهُ يحكمُ ما يشاءُ ويفعلُ ما يريد، ووعدهُ حق، ونصرهُ قريب، وأمرهُ بين الكاف والنون، ولكن ثَمة أدواءٍ يتلبسُ بها المسلمون وهم يستشرفون النصر، ونصرُ اللهِ عزيزٌ لا بُدَّ فيه من تمحيصِ الصفوف، ولابُدَّ من تميزِ الخبيثَ من الطيب، لابُدَّ من سقطٍ لأصحابِ المطامعِ والأهواء، ولابُدَّ من تجريدٍ للصفوةِ المختارةِ التي يُحبُها الله، وتستحقُ نصره، لابُدَّ من تمييزِ المجاهدين الصادقين من المتقولين المنتفعين.

عباد الله:

وليست المسؤوليةُ في هذا على الناس على حدٍ سواء، فكلٌّ بحسبه، ولست العبوديةُ المؤهلةُ للنصر ضربًا من الأماني، أو قدرًا محدودًا من العبادات، يظنُّ المرءُ فيها أنَّهُ بلغَ قمَّة الإيمان، واستحقَّ النصرَ لولا فساد الآخرين بزعمه، كلا، فالمسؤوليةُ كبيرة، والعبوديةُ المرادةُ لله شاملة، واسمع إلى أحدِ علماءِ السلف وهو يشخِّصُ الحال، وكأنَّهُ يعيشُ اليومَ بين ظهراني المسلمين،

ويقولُ ابن القيم في كتابه: ( أعلام الموقعين عن رب العالمين ) وهو يتحدثُ عن نوعي العبوديةِ العامةِ الخاصة: ( ولله سبحانهُ على كلِّ أحدٍ عبوديةً بحسبِ مرتبته، سِوى العبوديةِ العامةِ التي سوى بين عبادهِ فيها: فعلى العالم من عبوديةِ نشرِ السنةِ، والعلم الذي بعثَ اللهُ به رسلهُ ما ليس على الجاهل، وعليه من عبوديةِ الصبرِ على ذلك ما ليس على غيره، وعلى الحاكمِ من عبوديةِ إقامةِ الحقِّ وتنفيذهِ وإلزامه من هو عليه به، والصبر على ذلك والجهاد عليه ما ليس على المفتي، وعلى الغنيِّ من عبوديةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت