فهرس الكتاب

الصفحة 1085 من 2003

أداءِ الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير، وعلى القادرِ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما) .

وتكلم يحيى بن معاذ الرازي يومًا في الجهادِ والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، فقالت لهُ امرأةُ: هذا واجبٌ قد وضُع عنَّا فقال: هبي أنَّهُ قد وضَع عنكنَّ سلاح اليدِ واللسان، فلم يُوضع عنكنَّ سلاح القلب، فقالت: صدقت، جزا ك الله خيرًا . أن يقول الشيخ- رحمه الله- وقد غرَّ إبليسُ أكثرَ الخلقِ بأنَّ حسنَّ لهمُ القيامَ بنوعٍ من الذكر والقراءة والصلاة والصيام، والزهدُ في الدنيا والانقطاع، وعطلوا هذه العبادات. فلم يُحدِّثُوا قلوبهم بالقيام بها، وهؤلاءِ عند ورثةِ الأنبياءِ من أقلِّ الناسِ دينًا، فإنَّ الدين هو القيامُ لله بما أمر به، فتاركُ حقوقِ الله التي تجبُ عليه أسوأُ حالًا عند الله ورسولهِ من مُرتكب المعاصي، إلى أن يقول: ومن له خبرةً بما بعث اللهُ به رسولهُ- صلى الله عليه وسلم- وبما كان عليه هو وأصحابه رأى أنَّ أكثرَ من يشار إليهم بالدين هُم أقلُّ الناسِ دينًا- والله المستعان- وأيُّ دينٍ وأيُّ خيرٍ فيمن يرى محارمُ تُنتهك، وحدودهُ تُضاع، ودينهُ يُترك، وسنةَ رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- يرغب عنها، وهو باردُ القلبِ، ساكتُ اللسان، شيطانٌ أخرس، كما أنَّ المتكلمَ بالباطل شيطانٌ ناطق، وهل بليَّةُ الدين إلاَّ من هؤلاءِ الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياستهم فلامبالاةَ بما جرى على الدين؟ وخيارهم المحزن المتلمظ، ولو نُوزع في بعضِ ما فيه غضاضة عليه، في جاههِ أو مالهِ بذل وتبذل، وجدَّ واجتهد، واستعملَ مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه، وهؤلاء- كما يقولُ الشيخ رحمه الله- مع سقوطهم من عينِ الله، ومقت اللهِ لهم، قد بلوا في الدنيا بأعظمِ بليَّةٍ تكونُ وهم لا يشعرون وهو موت القلوب، فإنَّ القلبَ كلَّما كانت حياتهُ أتم، كان غضبهُ لله ورسولهِ أقوى، وانتصارهُ للدين أكمل [5] .

أيَّها المسلمون:

في تركِ أمرِ الله، وعدم التمعُّر لشيوعِ الفساد والمنكر، وقد ذكرَ الإمامُ أحمد وغيره أثرًا، أنَّ اللهَ سُبحانهُ أوحى إلى ملكٍ من الملائكةِ أن اخسف بقريةِ كذا وكذا، فقال: يا رب كيف وفيهم فلانٌ العابد، فقال: به فابدأ، فإنَّهُ لم يتمعَّر وجههُ في يومٍ قط.

وذكر صاحبُ التمهيد: أنَّ اللهَ سُبحانهُ أوحى إلى نبيٍّ من أنبيائهِ أن قُل لفلانٍ الزاهد: أمَّا زُهدك في الدنيا فقد تعجلت به الراحة، وأمَّا انقطاعُك إلىَّ فقد اكتسبت به العز، ولكن ماذا عملت فيما ليَ عليك؟ فقال: يا ربي وأي شيءٍ لك عليَ؟ قال هل واليتَ فيَّ وليا، أو عاديت في عدا ؟ [6]

هكذا إخوة الإسلام، فَهِمَ السلفُ- رحمهم الله- حقيقةَ العبوديةِ لله، وكذلك جاءتِ النصوصُ الشرعية، والوصايا النبويَّة تُؤكدُ أمرَ القيامِ له بحقهِ عبوديةً عامة، يشتركُ الناسُ فيها، وعبوديةٍ خاصة كلٌّ بحسبه، تضمنُ قيام أمر الله، تُرسي دعائمَ الخبرِ في الأرض، وتوالي الخيِّرينَ، وتحبُ الناصحين،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت