ومارس المسلمون بعدهُ - صلى الله عليه وسلم- المشورةَ واختيارَ الأمثل للمسلمين في ولايتهمُ الكُبرى والصغرى، فضربوا في ذلك أروعَ الأمثلةِ في الصدقِ والتحري، واختيار الأكفاء ، وكان مرشحُوهم عند حُسنِ الظنِ صدقًا وعملًا وإخلاصًا، ومارس المسلمون ( الاقتراع ) ، فكانوا مِثالًا في الإيثارِ والبذل، وشهدَ القرآنُ أنَّهم يُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، لم يكن هذا في سِلمهم فحسب، بل وفي حربهم كانوا نماذجَ للإيثار، فشربةُ الماءِ للجريحِ النازف، رُبَّما دارت على أكثر من مجاهدٍ قعدت به الجراحُ عن مواصلةِ الجهاد ، فظلَّ هؤلاءِ الجرحى يتدافعون هذه الشربةِ، ويُؤثرون بها غيرهم، حتى استشهدوا جميعًا ولم يشربها أحدٌ منهم
إنَّهُ البُعد عن الشُّحِ والانعتاقِ من الأنانيةِ، تتجلى في أسمى معانيها ، فتتعانق مرتبةُ الجهادِ في سبيل الله مع خُلق الإيثارِ النبيل، ولو كان بأصحابهِ خصاصة .
تُرى كم يدركُ المسلمون ما في دينهم من سمُوِّ الأخلاق، وكريمِ السجايا؟ وكم يبحثون في تاريخهم ليروا نماذج من الشرِّ كانت أجسادهم جسورًا عبرَ عليها الإسلامُ إلى أممِ الأرض، وكانت في موتهم حياةٌ للآخرين، وكان جهادُهم عدلًا وحريةٌ للمظلومين !
(( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) ) (الأحزاب:23) .
الخطبة الثانية
أيَّها المسلمون:
مؤهلاتُ الترشيحِ لأيِّ مسؤوليةٍ كثيرةٍ ومتكاملة ، وعلى قدرِ كبرِ هذه المسئوليةِ تزيدُ هذه المؤهلاتُ، وإذا كانت المُصداقيةُ والتقوى والصلاحُ، والنزاهةُ مؤشراتٍ مهمةٍ للترشيح، فلا بُدَّ أن يُضاف إليها القوةُ والسياسة والحكمة، والمعرفةُ والعلمُ بمتطلبات هذه المسؤولية، ويُرشدُنا كتابُ ربنا إلى شيءٍ من هذا ، فيوسفُ - وهو نبيُّ اللهِ حين تقدمَ لولايةِ خزائنِ الأرض، قدَّمَ بالقول (( إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) ) (يوسف: من الآية55) ومارسَ فيما بعد سياسةَ الاقتصادِ بنجاحٍ واقتدار ، ومن مشورتهِ (( حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ) ) (يوسف: من الآية47) .
وثمَّةَ توجيهٌ قرآنيٌّ إلى أهمِّ عناصرِ التولية والاستئجار، (( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين ) ) (القصص: من الآية26)
وفي مخزونِ السُنةِ والسيرةِ النبوية، توجيهٌ وإرشادٌ وتقديرٌ للمواهب والقدرات ، ووضعٌ للرجلِ المناسبِ في المكانِ المناسب ، فأبو ذرٍّ -رضي الله عنه- نصحهُ النبي- صلى الله عليه وسلم- ألاَّ يتولى المسؤوليةَ حين قال يا رسول الله: ألا تستعملني ؟ فضربَ رسول الله على منكبِ أبي ذر، (( وقال: يا أبا ذر، إنَّكَ ضعيفٌ وإنَّها أمانة ، وإنَّها يومَ القيامةِ خزيٌ وندامة، إلاَّ من أخذها بحقِها، وأدَّى الذي عليه فيها ) ) ( رواه مسلم ح 1825 ) فهذا أبو ذرٍ لا يُضيرُه ألاَّ يوليهِ رسول الله - صلى الله عليه