وسلم- لمسؤولية، وإن كان أصدقُ الناسِِ لهجةً ، واعظهم زُهدًا، فما هو ضعفُ أبي ذر ؟ قال الذهبي في تفسيرِ ضعفِ أبي ذر: فهذا محمولٌ على ضعفِ الرأي ، فإنَّهُ لو وُلِّيَ مالَ يتيمٍ لأنفقهُ كلّهُ في سبيلِ الخيرِ ولتركَ الفقيرَ فقيرًا، والذي يتأمرُ على الناسِ،ِ يُريدُ أن يكونَ فيه حلمٌ ومداراةٌ ، وأبو ذرٍ- رضي الله عنه- كانت فيه حِدَّة ، فنصحهُ النبي-صلى الله عليه وسلم- ( ألاَّ يتولى أمرَ الناسِ ) ( السير 2/75 ) .
وإذا كان هذا توجيهُ النبي- صلى الله عليه وسلم- لواحدٍ من أصحابهِ النُجباءَ والسابقين إلى الإسلام .
فقد وجَّهَ أحدَ أصحابهِ - وهو بعدُ حديثُ عهدٍ بالإسلام - إلى أن يقودَ سريةً فيها من أمثالِ أبي بكرٍ وعُمر، وأبي عبيد ةَ وأمثالهم- رضي الله عنهم- أجل، لقد أمرَ رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- عمرو بن العاص- رضي الله عنه- على سريةِ ذاتِ السلاسل، في السنةِ الثامنةِ للهجرة ، ولم يجد الرسولُ- صلى الله عليه وسلم- ولا صحابته في أنفسهم شيئًا لتأميرِ المفضولِ مع وجود الفاضل ،إنَّها القدراتُ تُستثمر، والرجلُ المُناسبُ يُوضعُ في المكانِ المناسب، ولا يعني ذلك بحالٍ الأفضليةِ المطلقةِ للأميرِ ولمن وُلي ، ولا التقليلُ من شأنِ المأمورِ ومن وَليَ عليه، ما لنفقهَ هذه المعالمَ النبويةِ في ولاية، والتعاملُ مع القدارت .
إنَّهُ صلاح الذات ليس مؤهلًًا - وحدهُ - لتولي أمورِ الناسِ كما أنَّ صاحبَ المطامعِ الشخصية ، وضعيفَ الأمانة ، ورقيقَ الديانة لا يُولَّى ولو كان خبيرًا بالسياسة ، قادرًا على القيادة ، ومن هُنا نعودُ إلى القرآنِ لنجد فيه شرطين مهمين لمن يُولي ويُستأجر (( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) ) (القصص: من الآية26) فالقوةُ والأمانةُ جناحانِ يطيرُ بهما من رُشِّح لولايةٍ في الإسلام إلى برّ الأمان، ومراقِ العزةِ والكرامة ، وتحقيقِ العدل والسعادة ، وفي مجتمعٍ كمجتمعنا الأصلُ فيه الخير ، والغالبيةُ همُ الأخيارُ لدينا، فُسحةٌ في اختيارِ الأمثلِ من الأخيار.
يا أيَّها المُشرحُ لنفسك:
أعقل هذه الوصايا ، وقدِّر هذه الأمانة ، واعلم أنك مسؤولٌ ومُستأمن ، ولا يغب عن بالك أنَّ ثقةَ الناسِ بك لا تكونُ بنصبِ الخيام الفارهة، ولا باستئجارِ القصورِ الفخمةِ ، ولا بتوفيرِ الموائدِ المتنوعة، كلاَّ .
إنَُّ الواثقَ من نفسهِ لا يحتاجُ لمثلِ هذا، قدر ما يحتاجُ إلى تفكيرٍ مستديمٍ في شُغل هذه المسؤوليةِ بما ينفعُ البلاد والعباد ، ولا يُطلبُ من المرشحِ وعودٌ كلامية، وبرامجٌ مثالية، تتطايرُ كالهباءِ عند أوَّلِ وهلةٍ من محطاتِ الطريق !