فهرس الكتاب

الصفحة 1107 من 2003

حاشرين، يجمعونَ له جنودهُ من أقاليمه، فركبَ وراءَهم في أُبهةِ عظيمةٍ وجيوشٍ هائلةٍ، لما يُريدُهُ اللهُ تعالى بهم، ولم يتخلف عنهُ أحدٌ ممن له دولةٌ وسُلطانٌ في سائرِ مملكته، فلحقوهم وقتَ شُروقِ الشمس، (وذكر الطبري أنَّ فرعونَ أُعلمَ أن موسى سرى ببني إسرائيلَ من أولِّ الليلِ فقال: لا يتبعهم أحدٌ حتى تصيحُ الديكة، فلم يصح تلك الليلةِ بمصرٍ ديك، وأماتَ اللهُ تلك الليلةِ كثيرًا من أبناءِ القِبط، فاشتغلوا في الدفنِ، وخرجوا في الإتباع مُشرقين( [7] ) (( فلما تراءَ الجمعانِ قال أصحاب موسى إنا لمدركون ) )وذلك أنهم لما انتهوا إلى ساحلِ البحرِ وأدركهم فرعونُ لم يبق إلاَّ أن يتقاتلَ الجمعان، وألحَّ أصحابُ موسى- عليه السلام- عليه بالسؤالِ كيف المخلصُ مما نحنُ فيه؟ فيقولُ: إنِّي أُمرتُ أن أسلكَ هاهنا، (( كلا إن معي ربي سيهد ين ) )فعندما ضاقَ الأمرُ اتسع، فأمرهُ اللهُ أن يضربَ البحرُ بعصاه، فضربهُ فانفلقَ (( فكان كل فرق كالطود العظيم ) )أي كالجبلِ العظيم، وصارَ اثني عشرَ

طريقًا لكلِّ سِبطٍ واحدة، وأمرَ اللهُ الريحَ فنشفت أرضهُ (( فأضرب لهم طريقًا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ) )وتخرَّقَ الماءُ بين الطُرقِ كهيئةِ الشبابيك، ليرى كلٌّ قومٍ الآخرين حتى لا يظنوا أنَّهم هُلكوا، وجاوز بنوا إسرائيل البحرَ، فلمَّا خرجَ آخرُهم منهُ، انتهى فرعونُ وجندهُ إلى حافتهِ من الناحيةِ الأُخرى (وعددهم فيما قيل ألفَ ألفَ ومائتا ألف) ( [8] ) ومعهم مائةَ ألفَ أدهم (فرس) سِوى بقيةِ الألوان، فلمَّا رأى ذلك فرعونُ هالهُ البحرُ وأحجم، وهابَ وهمَّ بالرجوع، وهيهاتَ ولا حينَ مناص، نفذَ القدرُ، واستُجيبتِ الدعوةُ، وجاءَ جبريلُ على فرسٍ ود يقٍ حائل (ويُقال إنَّهُ لم يكن في خيلِ فرعونَ فرسٌ أنثى، ويُقال أن جبريلَ جاءَ في صورةِ هامان، وقال لهُ:تقدم، ثُمَّ خاضَ البحرُ، فتبعهما حصانُ فرعون وميكائيل يسوقهم لا يشذُّ منهم أحد،( [9] ) ولم يبق فرعونُ يملكُ من نفسهِ شيئًا، فتجلدَ لأُمرائه، وقال لهم: ليس بنو إسرائيلَ بأحقِّ بالبحرِ منَّا، فاقتحموا كُلهم عن آخرهم، فلمَّا اجتمعوا فيه وتكاملوا، وهمَّ أولُهم بالخروجِ مِنهُ أمرَ اللهُ القديرُ البحرَ أن فارتطم عليهم، فأرتطم فلم ينجُ منهم أحد، وجعلت الأمواجُ ترفعهم وتخفضهم، وتراكمت الأمواجُ فوقَ فرعونَ، وغشيتهُ سكراتُ الموتِ، فقال وهو كذلك (( آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ) )فآمن حيثُ لا ينفعهُ الإيمانُ (( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ) ) ( [10] ) .

وهكذا قال اللهُ تعالى في جوابِ فرعون حين قال ما قال، (( آلآن وقد عصيت قبل ) )أي أهذا الوقت تقولُ وقد عصيتُ الله قبل، هذا فيما بينك وبينه (( وكنت من المفسدين ) ) ( [11] ) .

إخوةَ الإسلامِ:هذا الذي حكاهُ اللهُ عن فرعونَ في حالهِ ذاك، من أسرارِ الغيبِ التي أعلمَ اللهُ بها رسولهُ محمدًا- صلى الله عليه وسلم- فلم يسمعها، بل رُبما لم يسمعها أحدٌ من خلقهِ بقي على الحياةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت